دعونا نبدأ من النهاية؛ فالموضوع مركب بعض الشيء وليس من السهل الإجابة عليه بنعم أو لا.

نسمع بكثرة أخيرًا عن فتيات بتن يُجدن اللغة التركية بفضل متابعتهن للمسلسلات التركية، بل إن بعضهن يتحدثن اللغة بطلاقة كمن قضى سنوات يدرسها. والأمر ليس مقتصرًا على الفتيات فحسب، كل ما هنالك أن الرجال لا يعترفون بمشاهدة المسلسلات، وهي ليست ظاهرة جديدة. هذه التجارب قد تجعلنا نتساءل: هل يمكن ان نتعلم لغة جديدة عن طريق مشاهدة الأفلام فقط؟ وإذا كان الأمر صحيحًا للكبار، فهل هو صحيح للأطفال؟

أولًا، نحن نعلم أن للأطفال -كلما صغر سنهم- قدرة مختلفة للتعلم عن الكبار، والأمر بالأساس يأتي من واقع أن الطفل يرى كل معلومة كأمر جديد ومثير للاهتمام. كما أن مشتتات التركيز لدى الطفل أقل، وتركيزه يعتمد أساسًا على الانجذاب إلى الأصوات والأشكال، خصوصًا في فترة الطفولة المبكرة.

الأمر الثاني هو أن الطريقة الطبيعية لتعلم اللغة ليست تلك التي تتداولها المدارس وتعتمد على تعلم القواعد أولا ثم الأحرف والانتقال بالتدريج إلى تركيب الكلمات والجمل، بل إن الطريقة التي تعلمت بها لغتك الأم هي الطريقة الطبيعية، أي أن تنكشف على اللغة بكاملها وتكررها كجزء من ممارستك اليومية، لا أن تسجل قائمة من الكلمات وتمتحن فيها. هذا الشكل من التعلم يمكن أن يوفره التلفاز أو الفيديو.

لكن، هل تشبه مشاهدة فيلم تعلم لغة من الأم؟ لا، القسم المهم والناقص في مشاهدة الفيديو هو انعدام الحوار مع المشاهد، أي إننا لا نعطي للطفل فرصة استخدام هذه اللغة كجزء من حديث بينه وبين الشخصية التي يشاهدها، فيما عدا البرامج التعليمية مثل «دورا»، التي توجه للمشاهد أسئلة وتطلب منه تكرار بعض الجمل. مع ذلك يبقى السؤال: هل أستخدم مقاطع الفيديو لأعلم طفلي اللغات أم لا؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الحديث عن الشروط التي تجعل برنامجًا ما مفيدًا لتعلم اللغة:

  • ليس من المحتم أن يكون البرنامج تعليميًّا، لكنه من الضروري أن يكون تثقيفيًّا تربويًّا تُستخدَم فيه كلمات جيدة ولغة غير ضحلة ولا ركيكة.
  • تجد الدراسات أن الأطفال في جيل المدرسة الابتدائية يتعلمون اللغة عبر المشاهدة بصورة أفضل كثيرًا إذا كانوا يعرفون بعض كلمات تلك اللغة، لذلك من المهم أن ترافق طفلك في أولى مشاهداته على الأقل وتجيب عن أسئلته حول معاني بعض الكلمات.
  • من المهم تذكر الجيل الذي يسمح فيه بالانكشاف على الشاشات أصلًا؛ فبالرغم من المحفز الكبير، إلا أن الطفل دون سن العامين لا يجب أن ينكشف على الشاشات الإلكترونية. لكن لا تقلق، فتعلم لغة أجنبية لن يحتاج من الطفل إلى وقت طويل، ويمكن البدء بتكرار بعض الكلمات على مسمع الطفل حتى يبلغ جيلًا مناسبًا للمشاهدة.
  • تذكر أن اللغة مهارة حياتية تُكسبها لطفلك، مهارة مهمة ومهارة ممتعة، فلا تحولها إلى فرض مزعج، ولا حاجة إلى أخذ دراسة اللغة على محمل الجد أكثر من اللازم، دع الطفل يتسلى بالتعلم، فأهم شرط للنجاح في الدراسة هو الاستمتاع بها.
  • قبل أن تبدأ بتعليم طفلك اللغة الإنكليزية أو السنسكريتية، تذكر أنك لا تحدثه باللغة العربية الفصحى، ولها عليك حق.

وأخيرًا، من المهم التذكير أن للأطفال قدرات تُبهرنا دومًا ولا يجب أن نستخف بها، لكن أيضًا تذكر أن هذا طفل وليس وسيلة للمُباهاة في لقاءات العائلة. لذا، دعه يتعلم كما يتعلم الأطفال.. دعه يمرح ويلعب.