المتلازمات وأنواعها

كلمة متلازمة ”Syndrome“ مشتقة في الأصل من الكلمة اليونانية “sundromos”، التي تعني التزامن، أي إن ظهور المرض يكون متزامنًا مع ظهور الأعراض.

وهي عبارة عن مجموعة من الصفات والملامح والأعراض الطبية التي تجتمع معًا وترتبط ببعضها وتُكوِّن شكلًا خاصًّا بها، ولكي نطلق عليها هذا الاسم يجب أن يكون عدد مرات تكرارها في العالم يتجاوز الألف شخص. وعادة ما تُشتَقُّ أسماء المتلازمات وتُنسَب إلى الطبيب أو العالم الذي اكتشفها.

تنقسم المتلازمات إلى: متلازمات جينية وراثية، ومتلازمات تشريحية، ومتلازمات واضطرابات نمائية.

أولًا: المتلازمات الجينية والوراثية:

يحدث الشذوذ في الجينات في أول لحظة من تكوُّن “الزيجوت”، وهي الخلية التي تتشكل عن طريق دمج خليتين جنينيتين أصليتين في أثناء عملية الإخصاب؛ فكل خلية في جسم الإنسان بها 23 زوجًا من الكروموسومات، وباندماج الخليتين نحصل على 46 كرموسومًا. والكروموسومات المشكلة لخلايا الجنين يأتي نصفها من الأم -من البويضة- ونصفها من الأب – من النطفة، ولذلك فإن جميع خلايا الجسم تحوي كامل عدد الكرموسومات بخلاف الخلايا الجنسية الأنثوية والذكرية في الكرموسوم 23 المحدد للجنس.

يحدث الشذوذ المسبب للإعاقة في ثلاث صور: إما أن ينشأ الجنين ولديه كرموسوم زائد، أو كرموسوم ناقص، أو كرموسوم بشكل شاذ أو وظيفة غير طبيعية؛ كأن يكون غير محتوٍ على جينات.

وللكشف عن الإعاقة الجينية هناك نوعان من التحاليل الطبية: تحليلD.N.A ، وتحليل الصبغة الوراثية.

من أمثلتها: الفينيل كيتونيوريا phenyl ketonuria / توريت Tourette / سميث ميجنس smith-magenis / كلينفلتر klinefelter / ترنر turner / إيكاردي aicardi ، وغيرها.

ومن أشهرها: متلازمة داون DOWN SYNDROME

وهي اضطراب وراثي يسببه الانقسام غير الطبيعي في الخلايا، مما يؤدي إلى زيادة النسخ الكلي أو الجزئي في الكروموسوم 21. وتسبب هذه المادة الوراثية الزائدة تغيرات في النمو والملامح الجسدية التي تتسم بها متلازمة داون، مثل: الشكل الجانبي المسطح، والأذنين الصغيرتين، وجحوظ العينين، وبروز اللسان، وصغر تجويف الفم، وقِصَر أصابع اليد والقدم، وأيضًا الشعر الناعم.

تتفاوت متلازمة داون في حدتها بين المصابين بها، مما يتسبب في إعاقة ذهنية خفيفة؛ فنسبة الذكاء (IQ) أدنى من المعدل العام، وتسبب أيضًا تأخرًا في النمو وضعفًا إدراكيًّا وتأخرًا لغويًّا، كما تؤثر في كل من الذاكرتين القصيرة والطويلة الأجل، ومن ثم تسبب إعاقات التعلم لدى الأطفال. كما أنها كثيرًا ما تسبب حالات شذوذ طبية أخرى، ومنها اضطرابات القلب والجهاز الهضمي والمناعة والسمنة.

 

ثانيًا: المتلازمات والإعاقات التشريحية:

هي تلك التي تحدث في أثناء الحمل، وتحديدًا بعد الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل عندما تُصاب الأم بالحصبة الألمانية أو حمى فيروسية أوعند تعرضها لأشعة إكس X، وأيضًا بسبب تعرضها للتدخين السلبي، أو عند تعاطي بعض المضادات الحيوية أو العقاقير العصبية والنفسية، والتعرض لأحد هذه الأسباب قد يؤدي إلى حدوث مشكلات في مراحل تكوين مخ الجنين خلال أشهر الحمل، كما يمكن لعوامل الولادة أن تؤدي إلى إعاقة تشريحية.

من أمثلتها: الاستسقاء الدماغي hydro cephalous / كبر الدماغ macrocephaly / صغر الدماغ microcephaly، وغيرها.

ومن أشهرها: الشلل الدماغي “CP” Cerebral palsy

 الشلل الدماغي هو مجموعة من الاضطرابات التي تؤثر في الحركة، أو قوة العضلات أو وضعيتها، ويحدث بسبب تلف للدماغ غير الناضج في مرحلة نُموِّه، غالبًا قبل الولادة، وهو نتيجة لحدوث عدوى من الأم تصيب الجنين النامي: نزيف في الدماغ خلال فترة وجود الجنين في الرحم؛ أو عند طفل حديث الولادة: نقص الأكسجين في الدماغ لمدة تزيد على أربع دقائق بسبب صعوبة المخاض أو الولادة.

من أبرز أعراضه: مشكلات في الحركة – تصلب العضلات – تشنج – حركات لا إرادية أو ارتعاشات – مشكلات البلع أو المص – صعوبة في الكلام – تأخر تنمية المهارات الحركية، وغيرها.

 

ثالثًا: المتلازمات والاضطرابات النمائية:

يعيش الطفل بعد الولادة فترة من النمو والتطور الطبيعيين ثم يحدث له تدهور وانتكاس وتراجع. غالبية هذه الإعاقات لها سن حدوث أو سن لظهور الاعراض، ومعدل انتشارها بسيط ونادرة الحدوث، وأسبابها متعددة:

ـ البعض يرى أنها تحدث لأسباب وراثية مثل غياب جينات معينة قد ينتج منها إعاقة نمائية؛ أي إن لهذا الجين خصائص تعمل في سن الثالثة، فيظهر التدهور عند بلوغ هذا السن.

ـ والبعض يرى أن السبب بيولوجي؛ أي إن الطفل يعاني حساسية ما، مثل حساسية الكازين والجلوتين؛ إذ تسمح الأمعاء المرشحة -عند الطفل- لبعض بروتينات الأطعمة المهضومة جزئيًّا، خصوصًا الجلوتين، الذي يأتي من: القمح والشوفان والشعير وجميع أنواع الحنطة والكازين الموجود في الحليب ومشتقاته الأخرى، تسمح لها بالمرور من خلال مجريات الدم، وهذه البروتينات المهضومة جزئيًّا تُكوِّن مادة البيبتايد Peptides”” التي تكون لها تأثيرات شبه تخديرية، وتستطيع أن ترتبط بالمستقبلات في المخ وتحدث أضرارًا تمامًا مثل أي مخدر عادي.

 ـ والبعض يرى أن السبب هو تسمم المعادن الثقيلة الناتج من استنشاق الطفل المولود في بيئة صناعية لكميات من الرصاص والزئبق، أو بسبب الأكل في المواد البلاستيكية الرديئة الصنع التي يتفاعل فيها الطعام الساخن مع البلاستيك فتنتج مادة الرصاص، ما يؤدي إلى حدوث التهابات في المخ.

ـ كما أرجعها البعض إلى أسباب بيئية؛ كأن يولد الطفل في بيئة منغلقة ليس فيها تفاعلات اجتماعية أو أطفال من المرحلة العمرية نفسها، أو جلوس الطفل أمام التلفاز والهواتف الذكية، ما يؤثر في نمو الطفل بصورة طبيعية. ولكن، يظل شرط الاستعداد داخل الطفل هو المسبب الأساسي لهذا الاضطراب.

ـ أرجعها البعض أيضًا إلى العوامل النفسية، مثل الصراعات والمشكلات النفسية التي يقرر فيها الطفل الهروب من مواجهتها، مثل اضطراب الطفولة المبكر الذي أظهرته الدراما في المسلسل المصري (سارة) لمن يعرفه.

من أمثلتها: اضطراب الطفولة التفككي childhood disintegrative disorder / متلازمة أسبرجر Asperger، وغيرهما.

ومن أشهرها: متلازمة ريت Rett Syndrome

تحدث للبنات فقط، وتتعدد أسبابها العضوية ما بين تلف المخ أو النخاع الشوكي أو المخيخ أو الجهاز العصبي عمومًا، ويولد الأطفال المصابون بها بعد حمل طبيعي وولادة طبيعية أيضًا. طفلة الريت تنمو وتتطور بصورة طبيعية في أول ستة أشهر من عمرها، بعدها، تبدأ العلامات والأعراض في الظهور. وتبدأ ما بين سن 12 و18 شهرًا، وتستمر لمدة أسابيع أو أشهر. ومن الممكن أن تتفاوت الأعراض وحدَّتها كثيرًا من طفلة إلى أخرى، لكن -في الغالب- تفقد المهارات اللغوية والاجتماعية والحركية ومهارات التكيف جزئيًّا أو كليًّا، والإعاقة المعرفية والنوبات المرضية والانحناء غير الطبيعى للعمود الفقري، وقد يكون هذا الاضطراب مصحوبًا بالاكتئاب أو الضحك الهستيري ولعق اليد والإمساك بالشعر أو الملابس.

 

يبقى التأكيد على أن كل هذه المتلازمات والإعاقات تستلزم التدخل المبكر من المتخصصين حتى يسهل التعامل معها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل التدهور، وأيضًا تقديم كل سبل الدعم للأهل الذين يحملون على عاتقهم أعباء مادية ومعنوية كثيرة حتى يصلوا بأبنائهم إلى بر الأمان.. لهم منا كل الحب والتقدير والأمنيات الطيبة بالقوة والأمل.

تحرير وتدقيق: أ. أحمد مدرة || مصر.