في العقد الأخير، دخل الهاتف الذكي بقوة إلى حياة أطفالنا وإلى أساليب تربيتنا، ومهما أنكرنا فإنَّ معظم الأهالي يستخدمون الهاتف الذكي كمساعد تربوي لإبقاء الطفل في مكانه ريثما تنتهي الأم من أعمال المنزل أو ليرتاح الوالد من الضجيج الذي لا يُطاق بعد يوم عمل متعب. مهما أنكرنا –أيضًا- فإن معظم الأهالي (وفقًا للأبحاث الأخيرة) لا يراقبون حقًّا المضامين التي ينكشف إليها أطفالهم. لكن، ماذا لو علمت أن قسمًا من الأفلام البريئة، التي يشاهدها طفلك، يُقرِّر كيف سيبدو حسابك البنكي في نهاية الشهر؟

في السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة نجوم الشبكة الصغار، أطفال في أعمار صغيرة، ثلاثة أو أربعة أعوام أحيانًا. في مركز أفلام تبدو بسيطةً جدًّا يظهر فيها هؤلاء الأطفال يلعبون، أين الخطأ في هذا؟ ألسنا بهذه الطريقة نحمي أطفالنا من العنف وغيره في أنواع أخرى من الأفلام؟ المشكلة هي أن هؤلاء النجوم لا يُصوِّرون مقاطعهم لوجه الله أو عن أرواح أجدادهم؛ فكلُّ قناة لها متابعوها في «يوتيوب» تُفكِّر في كيفية زيادة إيراداتها، خصوصًا عبر الإعلانات التي توفرها، أي إعلانات؟! شغِّل أحد المقاطع التي يتابعها طفلك، دقِّق جيدًا؛ ألا تلاحظ كمية الألعاب والدمى التي يشير إليها النجم المحبوب؟ بل يوصي بها أحيانًا. دقِّق أكثر؛ هم يأكلون نوعًا محددًا من حبوب الصباح والحلوى. دقِّق أكثر قليلًا؛ من أين أتت ملابس هذا الطفل؟ إنها من شركة محددة.

بهذا نصل إلى وضع فيه كل ما يرد في المقطع هو مادة دعائية مُوجَّهة للأطفال، دعاية لا تقول «اشتروا بيت الدمى»، بل تقول «انظر إلى بيت الدمى الرائع هذا، إنه يجعلني سعيدًا وسيجعلك كذلك بالتأكيد»، بل الرسالة الأخطر: «اشترى لي والدي بيت دمًى كبيرًا، ماذا عن والدك؟ هل يشتري لك هدايا قيمة أم أنه والد مهمل يكتفي بإحضار كرة بسيطة؟».

هذه المقاطع وما شابهها- تضع للأطفال معيارًا لمستوى المعيشة السليم، وهو مستوًى غير واقعي بالنسبة إلى معظم عائلاتنا؛ فلا يُعقَل لربِّ عائلة يتقاضى أُجرةً متوسطةً أن يشتري دمية واحدة ثمنها 200 شيقل (وهناك دمًى كهذه)، خصوصًا إذا كان لديه أربعة أو خمسة أولاد. لا يُعقَل أن يكون مصروف الألعاب الشهري في هذه العائلة أكثر من ربع الراتب الشهري، هذا عدا الملابس الخاصة، والسوشي الذي أصبح بدل المقلوبة، ورقائق الذرة التي بدلت الخبز والزعتر (مع احترامي للسوشي والرقائق التي أعلم أن البعض يستلذَّها، مرة أو مرتين في الشهر).

تعاطينا مع هذه المواد الدعائية على أنها أمر طبيعي، ومع شراء كل ما يطلبه الطفل وما نعتقد أن الجميع يملكه، يجعلنا نربي في بيتنا طفلًا مستهلكًا لا يعتمد في قراراته على معايير منطقية، بل على السؤال عمَّا إذا كان نجمه المفضل يملك هذه المنتجات، يفعل هذه الأفعال أو يوصي بها. نحن في مواجهة أزمةٍ على صعيد فلسطينيِّي الداخل خصوصًا؛ فالأمهات والآباء اليوم تسحقهم الديون التي سبَّبتها المعايير الاجتماعية الخاطئة، ويُربُّون جيلًا في خطر الوقوع بمطبٍّ أكبر حين يكبرون دون أن يعلموا الفرق بين الحاجة والرغبة، ويلبون عادةً رغباتهم قبل حاجاتهم.

بعد كل هذا لا بد من السؤال: ما الحل لهذه المشكلة؟

لا تدع طفلك أمام شباك مفتوح، حدِّد المقاطع التي تسمح له بمشاهدتها وفقًا لمعاييرك أنت، ثم حاول أن تُحمِّل المقطع إلى الحاسوب أو التلفاز حتى لا تجد صغيرك يقفز بين المقاطع والدعايات والقدوات الطفولية. أمر آخر: حين تدخلون المتجر، تجاهلوا أولئك الذين ينظرون إلى أطفالكم بشفقة ويحاولون إقناعكم بشراء المزيد حتى تثبتوا حبَّكم لأطفالكم، هم لن يعودوا معكم إلى المنزل، في المنزل تلاقون تربيتكم.

تدقيق وتحرير : أحمد مدره |مصر.