ذكرت في مقالاتي السابقة دور العائلة وأهميتها وتأثيرها الإيجابي في حياة الفرد؛ إذن، فمن الطبيعي أن تكون الأسرة بيئةً داعمة. لكن، ماذا لو كانت العائلة هي مكان اجتماع المجرم مع الضحية؟

في الفترة الأخيرة، تضج مجتمعاتنا بالعنف الأسري، وخصوصًا العنف ضد النساء، وهو مُدمِّر لكل العائلة وليس للضحية فقط؛ إذ يؤدي إلى تفكك الأسرة وزيادة الضغوطات الاجتماعية والنفسية عليها، وهو ما يُخلِّف في المجتمع أفرادًا غير أسوياء، عديمي الثقة بأنفسهم، يغشاهم التردد والقلق والتوتر الزائد.

إن التعريف الاصطلاحي للعنف هو استخدام القوة بطريقة غير قانونية، أو التهديد باستخدامها بغرض إحداث ضررٍ للآخرين وأذيتهم. والعنف في العائلة يسبب تفكُّك العلاقات الأسرية، سواءً كان بين الزوجين أو في اتجاه الأبناء أو المسنين. وقد تُمارَس القوة جسديًّا أو لفظيًّا أو أخلاقيًّا، وهو ما يسبب الإهانة والأذى لأحد الأطراف، ويُنتج علاقاتٍ أسريةً غير مترابطة.

العنف قد يكون بأشكال مختلفة:

– عنف كلامي: إهانة الطرف الآخر وعدم احترامه عن طريق الكلام المهين والعنيف.

– عنف مادِّي: منع الطرف الآخر من الاستقلال المادي؛ الاستحواذ على استحقاقاته المادية دون رضاه.

– عنف جسدي: تصرفات عنيفة، والتعامل مع الطرف الآخر عن طريق التعنيف الجسدي المهين والمؤذي.

 – عنف جنسي: إجبار الضحية على تصرُّفات وعلاقات جنسية دون رضاها.

مسببات العنف كثيرة، لكن، في مقالي هذا، سأتطرق إلى ثلاث نظريات تشرح المسببات الشائعة والمنتشرة بكثرة.

أشار الباحثون إلى عدة نظريات تُفسِّر ظاهرة العنف في العائلة، منها:
  1. حالة نفسية، أو خلل بيولوجي يعاني منه المعتدي

وفقًا لهذه النظرية، قد يكون التفسير لتصرفات المعتدي غير الطبيعية خللًا بيولوجيًّا (إعاقة) وراثيًّا أو جينيًّا، وهذا الخلل قد يؤدي إلى مرض نفسي، ويؤثر تأثيرًا سلبيًّا في ثقة الفرد بنفسه واستقراره النفسي.

العادات المكتسبة أيضًا قد تسبب خللًا ينعكس على تصرفات الفرد، ربما يدفعه إلى تعاطي المخدرات مثلًا، فيؤثر ذلك في خلايا الدماغ ويسبب للمتعاطي نوبات غضبٍ غير طبيعية، فلا يستطيع التحكم في تصرفاته ولا يقوى على التفكير السليم.

هذه النظرية تستند إلى الحقيقة العلمية التي تنص على أن التغييرات في الخلايا العصبية بالدماغ (نتيجة المخدرات مثلًا) مسؤولة عن نسبة التصرفات العنيفة.

يرى الباحث وينيكون أن علاقة الطفل بأمه في فترة الطفولة المبكرة تُكسبه صفاتٍ تتشكل مع تطوُّره وتتعلق بالبيئة المحيطة به، فالعلاقة العاطفية القوية بين الطفل وأمه تُكسبه الثقة بنفسه والرضا عن ذاته، بينما ينتج عكس ذلك طفل غير واثق بنفسه، سيكبر ويصبح بالغًا عنيفًا في المستقبل.

توجد عدة نظريات أخرى لعلماء آخرين، وكلُّها تفسر تصرفات المعتدي العنيفة على أنها نتيجة لخلل ما يعاني منه المعتدي، سواءً في شعور الرضا عن ذاته، أو في صحته النفسية أو الجسدية، أو في الخلايا الدماغية.

  1. العلاقات داخل الأسرة

العلاقات داخل الأسرة علاقات ديناميكية، أي إن كل تصرف للفرد يؤثر في تصرفات بقية أفراد الأسرة على المستوى الشخصي وعلى الأسرة كمنظومة اجتماعية (العلاقات الأسرية).

ويتضح تأثُّر العلاقات الأسرية بتصرف الفرد جليًّا في قضية العنف في العائلة؛ إذ إن العائلات، التي تتورط بالعنف الأسري، تتميَّز العلاقات فيها بما يُسمَّى “دائرة العنف”: تتكرر تصرفات الضحية والمعتدي على مدى الحياة الأسرية، وتمر بعدة مراحل حتى تتقبل الضحية العنف تجاهها.

تبدأ المرحلة الأولى بحدوث التوتر بين الطرفين، حتى يتفاقم ليصل إلى ذروة التعنيف (المرحلة الثانية)، وفي المرحلة الثالثة، يتراجع المعتدي عن تصرفه ويبني الوعود لاسترجاع الثقة، والمرحلة الرابعة يحدث فيها رضا الضحية والتقارب بين الطرفين. وتعود بعدها مرحلة التوتر والعنف، ويتكرر التعنيف في العلاقة بين الطرفين.

   

تكمن خطورة العنف الأسري في قرب الضحية من المعتدي، فتمر بهذه المراحل وتتقبل العنف تجاهها. وقد تعتاد الضحية دائرة العنف وتنتظر مرحلة الهدوء والقُرب بينها وبين المعتدي. تنطبق مراحل دائرة العنف بالأخص على العنف بين الزوجين؛ في غالبية المواقف تكون الضحية الزوجة التي قد اعتادت تطرُّف زوجها وتعنيفه لها، وتكون متلهفةً للمرحلة التي تُسمَّى “شهر العسل”، وتكون بعد ذروة العنف.

مبنى العائلة مهم جدًّا، ويجب أن يكون متوازنًا. من المعروف أن ظاهرة العنف في العائلة بارزة أكثر عند العائلات ذات المبنى العائلي الفوضوي غير المنظم. والحدود الواضحة المتوازنة (غير شديدة ولا فوضوية) بين الأدوار الأسرية المختلفة من أب وأم وأبناء وزوجين ضرورية لمبنى عائلي منتظم.

بناءً على ذلك، فالعنف في العائلة إشارة إلى خلل في المنظومة العائلية، قد يكون هذا الخلل حدودًا غير واضحة وغير مرنة، أو تغييرًا طرأ على تطور الحياة الأسرية، أو أزمةً مرَّت بها العائلة.

  1. ضغوطات اجتماعية واقتصادية

تشمل الظروفُ الخارجيةُ الضغوطاتِ الاجتماعيةَ والاقتصاديةَ، وخصوصًا أن الفترة الأخيرة تشهد ازديادًا شديدًا لهذه الضغوطات؛ غلاء المعيشة، وتفشي الوباء، وارتفاع نسبة البطالة، وكثير من العائلات تفتقر إلى الدعم المعنوي والمادي في هذه الفترة العصيبة.

إن الضغط، الذي يعيشه أفراد العائلة في حياتهم اليومية، مسبب أساسي لزيادة توتر العلاقات بين الأفراد، وكلما كانت السيطرة على مسببات الضغط الخارجي أقل ازداد احتمال الصراعات داخل الأسرة، وبالمثل، تؤدي كثرة الصراعات داخل الأسرة إلى تطور ظاهرة العنف في العائلة.

أخيرًا، تتعدد الأسباب والمبررات لظاهرة العنف في العائلة، والعنف هو ذاته؛ يسبب الضرر النفسي والجسدي للضحية، بالإضافة إلى الضرر النفسي والخلل التي يُخلِّفه عند جميع أفراد الأسرة، وآثاره بعيدة المدى، وتحتاج إلى التدخل السريع والعلاج المناسب لتخطِّيها والتقليل من أضرارها الجسيمة على الأفراد والمجتمع.

لذا، لا تجعل العنف يستمر داخل أسرتك، فهو كالجرثومة التي تنتشر في الجسم حتى تقضي عليه. توجَّه إلى المؤسسات العلاجية لحماية نفسك وأفراد أسرتك ومجتمعك، فكلُّنا مسؤولون، وبإمكاننا أن نُقلِّل من نسبة انتشار العنف في مجتمعنا.

أتمنى السلامة النفسية والجسدية لكم ولأطفالكم وإخوانكم وأخواتكم ولكل أحبَّائكم.