تبدأ القصة في القرن الثامن عشر، حين فرضت مستعمرة (ماساتشوستس) فكرة التدريس العام، وكانت هي أول من فرضها، لتنتشر الفكرة بعدها، لدرجة أن أصحاب المصانع رأوا أن هدف التعليم الأساسي هو إخراج عمَّال جيدين؛ فكانوا يركزون في الدروس على الدقة والصبر على العمل لساعات طويلة واتباع الإرشادات، مع الحصول على أقل قدر من المهارات التعليمية، بل كان من المُحبَّذ أن تُختصَر المهارات التعليمية في تعلُّم القراءة والكتابة، أما في الحقبة الأوروبية فقد رأوا أن التعليم في المدارس أو غيرها يجب أن يقتصر على إنتاج مواطنين جيدين وجنود أقوياء؛ فكانت الدروس تركز أكثر على تمجيد أرض الأجداد وإبراز المعجزات التي تحققت على يد القادة الأوائل والاقتداء بمناقبهم وأخلاقهم.

ومن الغريب، وما لا يعلمه الكثيرون، أن التعليم التنويري، الذي نلهث وراءه في روضات الأطفال أو في مدارسنا وجامعاتنا حتى، فكرةٌ كانت قائمةً على الحرب بين فرنسا وبروسيا، والغريب أن هذه الفوضى (الحرب) تؤدي إلى هذا النظام الصارم، التعليم الذي نتعلمه الآن.

كان شارنهورست -وهو رجل كان يهتم بالفِلاحة في الجيش البروسي- يقول: «إن الحرب ستكون أقل وحشية، وأقل فوضوية، وأكثر كفاءة لو كان الجيش متعلمًا». والعجيب، بالرغم من مقولته هذه، كان جيشه غير متعلم وغير مُنظَّم، وقد كتب لابنته مستاءً: «ما يجب أن يُفعَل أعرفه جيدًا، ماذا سيحدث؟ الله وحده يعلم».

أما هوراس، الأمريكي الذي شغل منصب بمجلس التعليم في مستعمرة (ماساتشوستس)، فقد قال جملته الشهيرة: «إن الرجال أشبه ما يكونون بقطع الحديد، أما الأطفال فهُم كالشمع»؛ فالحديد لا نستطيع التعامل معه بسهولة، أما الشمع فنستطيع تشكيله بسهولة وكيفما نريد. وقد قصد هوراس بجملته التركيزَ على مرحلة الطفولة، لأن الطفل خلالها يكون سهل التشكيل بما يفيد الدولة لصنع المواطن الخاضع للقانون، والذي يُنكر أي شيء لم يتشكَّل عليه منذ الصغر.

هكذا يكون تدمير حرية الإنسان وإرادته، وخصوصًا الطفل عندما تتحكم أنت فيه كيفما تريد وتقرر تشكيله منذ الطفولة.

إن تعليم الأطفال، والنقاط التي يجب الانتباه إليها في تعليمهم، بدءًا من البيت والبيئة المحيطة بهم، إلى الإعلام وخطوط الحياة التي يجب أن يمتدَّ عليها طريقنا معهم، كلَّها أمور مفصلية مهمة ينبغي معرفتها، وستكون محور حديثنا في المقال المقبل بإذن الله.

مراجع:
  1. The curiosity of school : education and the dark side of enlightenment softcopy
  2. بحث لوفاء بسيوني من كتاب مصر بلا مدارس
  3. ترجمة كتاب د. سبوك الموسوعة في فصل التعليم والمخ.
  4. تدقيق وتحرير: أ.أحمد مدرة||مصر