تعَدُّ الوالدية أحد أساليب تحقيق الذات للفرد؛ إذ يستغلها الآباء لإثبات أنفسهم وفرض سيطرتهم داخل الإطار الأسري. يمرُّ الوالدان خلال التربية بكثير من التحديات بالتلاؤم مع جيل أبنائهم، وغالبًا هم يعدُّون التربية في جيل المراهقة (جيل النضوج) من أصعب المهام التي قد تُلقى على عاتقهم، وذلك بسبب خصائص هذا الجيل ومتطلباته.

فجيل المراهقة يتميَّز بحدوث الانفصال العاطفي بين الأبناء والآباء، لأن الأبناء في هذه المرحلة من العمر ينشغلون بالبحث عن الاستقلالية في حياتهم؛ فيتمردون على القوانين والسلطة في الإطار الأسري، ويتقرَّبون أكثر من أبناء جيلهم، ومن ثمَّ يجدون الحرية بين أقرانهم، ويبتعدون عن سلطة الأهل. وبناءً على ذلك تتعقَّد العلاقات بين الأبناء والآباء مع بداية مرحلة المراهقة.

وفقًا لبعض الأبحاث، يختلف المراهقون والبالغون في تعريف مصطلح «الحكم الذاتي»، وهذا ما يسبب الخلاف بينهم؛ فالبالغون يُعرِّفون المصطلح على أنه أخذ المسؤولية والسلطة، بينما يُعرِّفه المراهقون على أنه التحرُّر من سلطة البالغين (الآباء)، والتمرد على نهجهم وقيمهم المألوفة، فيتَّخذ المراهقون «الحكم الذاتي» سبيلًا لاختيار أساليب حياتهم بحرية، سواءً في تصرفاتهم، أو اختيار الأصدقاء، أو طريقة الملبس، أو مدى الاهتمام بالمهام المدرسية.

هذا التباين في تعريف المصطح قد يُسبِّب بُعدًا وتضاربًا بين الجيلين، وهو ما يقلل من التفاعل الإيجابي بينهما، ويزيد من الصراعات داخل الأسرة. التضارب في العلاقة بين الآباء والأبناء المراهقين يترك أثرًا سلبيًّا في نفوس الأهل، ويُولِّد الكثير من الأفكار المقلقة عندهم، ولذلك فإن بعضهم يُقابل هذا القلق بالحياد وعدم التدخل في حياة أبنائهم اعتقادًا منهم أنهم يمكنهم بذلك الحفاظ عليهم، فيشعرون بالقلق وقلة الحيلة لتراجع العلاقة سلبًا بينهم وبين الأبناء المراهقين!

بينما النظرة المهنية السائدة في العلوم الاجتماعية أن الصراعات -غير المدمرة- على الأرجح تُطوِّر مستوى تأقلم الآباء والمراهقين معًا مع التغيُّرات التي قد تطرأ على حياة المراهق، سواءً على مستوى الذات أو على مستوى العلاقات بينه وبين البيئة المحيطة.

ولذلك فإنه من الطبيعي جدًّا أن تتغيَّر العلاقات داخل الأسرة، وعلى الآباء أولًا أن يكونوا على وعي كافٍ بهذه التغيُّرات لكي لا يغلبهم القلق الدائم والحياد، ومن ثمَّ يمكنهم اتباع الأساليب المناسبة للحد من المشاحنات في العائلة، كأن يعملوا على تحسين مستوى العلاقة العاطفية بينهم وبين أبنائهم، وأن يتغيَّر نمط العلاقة، التي أساسها السيطرة والسلطة، إلى علاقة عاطفية ودية. يُحسِّن هذا التغيير بدوره التفاعل بين الأهل وأبنائهم في جيل المراهقة (جيل النضوج) بحيث يشعر المراهق بحرية التعبير في حضور والديه، ويتفهَّم معنى المشاركة ويشارك في اتخاذ قرارات تخصه. وبناءً على هذا الأسلوب فإن الأهل يفرضون سيطرتهم عن طريق منح المراهق الشعور بالأمان وحرية الاختيار.

هذا التغيير في العلاقات العاطفية بين الأهل والمراهق يؤثر في نظرته إلى أهله، وكذلك نظرة الأهل إليه (المراهق لا يعد أهله كشخصية مسيطرة بيدها كل القوانين، والأهل لا ينظرون إلى المراهق كقليل القدرات لا يُحسن اتخاذ القرار). من جهة أخرى، تُعَدُّ سيطرة الأهل بهدف تحقيق بعض الحدود والقوانين والمبادئ الأساسية مهمةً جدًّا في حياة المراهق؛ فهو يمرُّ في هذه الفترة من جيله بتقلُّبات وتغيُّرات عديدة، مما يقلل من توازنه وثباته النفسي، وسيطرة الأهل المتزنة تكسبه الشعور بالأمان في بيته. كما أن قدرة الأهل على الموازنة بين العلاقة العاطفية الودية واحترام الحكم الذاتي للمراهق (إشراكه في اتخاذ القرارات ومنحه الأمان للتعبير والاختيار مع تفهُّم حبه للاستقلال في هذا الجيل) تساعده في بناء شخصية سليمة.

تبعًا لدور الأهل، يؤكد أريكسون في نظريته أن المهمة الأساسية للمراهق في جيل النضوج هي تشكيل هوية شخصية خاصة به، إذ يعتقد أريكسون أن فترة المراهقة هي فسحة زمنية فيها يبحث المراهق ويفحص ويحاول الانخراط بوظائف عديدة من دون الالتزام بهم، وخلال هذه الفسحة الزمنية يُكوِّن معلومات عن نفسه.

في هذا الجيل، يحتاج المراهق إلى التوجيه ولكن بحرص، لتجنُّب أن تسود الجوَّ السيطرةُ في التعامل معه؛ فهو يحب البحث، والاعتماد على نفسه، والتجربة، والمشاركة، وكل هذه العمليات تساعده في تكوين شخصيته. وفقًا للأدب المهنيّ والأبحاث، مُيِّزت أربعة أساليب للوالدية لكلٍّ منها خصائصه وتأثيره على شخصية المراهق، وقد صُنِّفت تاليًا وفقًا لمدى سلطة الأهل على المراهق: 1- الوالد المسيطر: هذا الأسلوب يشمل سلطة الأهل ووضع حدود خاصة للنظام الأسري (باعتدال ومن دون حماية مفرطة) وفي الوقت ذاته يدعم المراهق ويُحسن إرشاده، ولا يُعيق تقدمه. الوالدان في هذا الأسلوب هما شخصيات داعمة، تحافظ على سلطتها باعتدال، وتُقدِّر المراهق وتحترم مشاركته، وبذلك هو أكثر أسلوب يشجع الحكم الذاتي للمراهق ويدعمه.

2- الوالد المُستبد: بعكس الأسلوب السابق، يعني هذا الأسلوب الإفراط في السلطة ووضع الحدود والقوانين الأسرية، وعدم مشاركة المراهق أو فتح المجال له بالتعبير عن ذاته بطريقة سليمة. الوالدان في هذا الأسلوب يكثران من الأوامر والمتطلبات ويريان أن من واجب الابن الانصياع للأوامر -لأنهما «الوالدان»- وفي المقابل لا يُلبِّيان متطلبات الأبناء ولا يتقبلان المعارضة من جهتهم. غالبية الأبحاث أشارت إلى أن المراهقين المُعرَّضين لمراقبة وسيطرة عاليتين من الأهل هم أشد عرضةً للمشكلات السلوكية والنفسية (مثل الاكتئاب) من غيرهم.

3- الوالد المتساهل: في هذا الأسلوب، يجتهد الأهل لتلبية كل متطلبات أبنائهم من دون التطرق إلى الحدود الأسرية، ويكونون ذوي سلطة ضعيفة جدًّا؛ فيسمحون لأبنائهم بأن يتخذوا قراراتهم من دون تدخلهم أو مشاركتهم. هذا التساهل ناتج غالبًا من خوفهم من خوض الصراعات مع أبنائهم المراهقين، وعدم قدرتهم على إتمام المهام الأبوية التي تتطلب سلطةً وسيطرة وتوازن.

ينتج عن هذا الأسلوب أبناء أكثر عرضةً للكحول والمخدرات. يتَّسم هؤلاء المراهقون بإظهار ثقة عالية بأنفسهم بينما داخلهم ينبض بعكس ذلك. 4- الوالد المُهمل: الآباء الذين يتّبعون هذا الأسلوب لا يفرضون سيطرتهم على أبنائهم وفي الوقت ذاته لا يستجيبون لمتطلبات الأبناء. هذا الأسلوب يُولِّد أبناءً مراهقين مع مشكلات سلوكية، كالتعرُّض للكحول والمخدرات، والرغبات الإجرامية، وعدم احترام الذات، ومشكلات في الهوية الذاتية.

بعد تعداد الأساليب الوالدية الأربعة، يمكنني القول أنه وفقًا للأدب المهنيّ فإن الأسلوب الأكثر نجاعةً وصحة لبناء شخصية سليمة للمراهق هو الأسلوب الذي يُوفِّق بين سلطة الأهل (عرض واضح لموقفهم، سلطة واضحة مباشرة غير صارمة)، وعلاقتهم العاطفية بالمراهق (احترام متبادل، تقبُّل، ود ودعم).

تساعد هذه الموازنة في منح المراهق حرية التعبير بأمان وثقة أكثر من الشعور بأنه مراقب، وبذلك يُطوِّر شخصيةً نفسية صحيّة وسليمة؛ فالمبالغة في السلطة أو في العلاقة العاطفية قد تُخلُّ بالتوازن المطلوب وتؤثر سلبًا في حياة المراهق وشخصيته المستقلة.

عمومًا، يحتاج المراهقون إلى الحدود التي يفرضها الوالدان للشعور بالأمان، خصوصًا لأنهم في هذه المرحلة من العمر يمرُّون بعدد من التغيُّرات الجسدية والعاطفية والنفسية والهرمونية. بناءً على ذلك، قد يؤدي غياب الحدود نهائيًّا في التربية إلى مشكلات أسرية وصراعات وعلاقات متضاربة. وبقدر أهمية الحدود في حياة المراهق فإن للعلاقة العاطفية المتينة أهمية كبيرة أيضًا؛ كون المراهق في المقابل يحتاج إلى الدعم العاطفي المستمر، وكذلك العلاقة الودية بينه وبين الشخصيات المهمة في حياته (الوالدين) بحيث يشعرونه بأنه يستطيع أن يشاركهم في اتخاذ القرارات الخاصة بحياته. على الأهل مشاركة أبنائهم في أفكارهم، وتبرير آرائهم ومواقفهم وقراراتهم، وأن يبادروا لإدارة نقاشات مع الأبناء تخص حياتهم الأسرية والفردية. الأبحاث العلمية تؤكد أن تطوير الذات والمهارات للمراهق يحرز تقدمًا أكثر في العائلات التي تحترم حضور الوالدين وسلطتهما؛ ففي هذه العائلات -غالبًا- يحافظ الوالدان على حضور فعلي وعاطفي في حياة المراهق؛ مثل وضع الحدود والرد على مخالفتها، وفي الوقت ذاته يحافظان على الصبر، وإمكانية النقاش بحرية، واحتضان رأي المراهق وتقبُّله بهدف حل المشكلات والخلافات.

بينما في العائلات التي لا يتوافر فيها هذا الجو من التوازن يكون المراهقون أكثر عرضةً لافتعال المشكلات السلوكية والعاطفية. أبناؤنا مسؤوليتنا كأهلٍ في كل الأجيال؛ ولذلك من المهم أن نكون واعين لأساليبنا في التربية وفي التعامل معهم بأجيالهم المختلفة، وتوازننا يكون وفقًا لجيل الأبناء، ووفق الظروف الخارجية، ولا بد من التأكيد على أهمية التدرُّب لملائمة أسلوب الأهل مع الابن في العائلات متعددة الأبناء. كأهلٍ نحن مسؤولون عن تنمية مهاراتنا والثقة بقدراتنا والتصرف بحكمة وبتوازن وتقبُّل مع أبنائنا؛ فنمنحهم مساحاتهم الخاصة، فكل ابن هو عالم نبنيه حسب تعاملنا معه وتقبُّلنا له.

في مقالي هذا كان التركيز على جيل المراهقة لحساسيتها؛ كونها فترةً من العمر تحدث فيها الكثير من التغيُّرات على الابن ويحتاج إلى دعم الأهل ليبني شخصيةً مستقلة وسليمة. كونوا لهم في حياتهم الأهل، والوالدين، والأحباب، والأصحاب، والمصادر الآمنة.