يمر الأطفال في جميع أنحاء العالم بمراحل تطور النطق والكلام نفسها، كما أن السن التي يتعلمون فيها نطق الأصوات والكلمات لا تتغير كثيرًا في مختلف الثقافات واللغات؛ بدايةً من مرحلة المناغاة و”البأبأة”، وحتى مرحلة نطق الكلمة الأولى، لكنَّ هناك فروقًا فردية في مقدار التطور والنمو اللغوي بين أطفال المرحلة العمرية الواحد نتيجةً لعدة عوامل:

  • سلامة أعضاء النطق والكلام:

بدايةً من سلامة حاسة السمع والمراكز المخية المسؤولة عن الكلام، ومرورًا بالشفتين والأسنان واللسان (عدم وجود ربط أو شق في سقف الحلق)، وكذلك سلامة الحنجرة والأحبال الصوتية.

  • الصحة العامة للطفل:

الصحة الجيدة للطفل تتحدد منذ بداية الحمل؛ فتعرُّض الأم في أثناء الحمل للحصبة الألمانية أو الحمى الفيروسية أو أشعة إكس أو التدخين السلبي أو استخدامها لبعض الأدوية -وخصوصًا الأدوية النفسية والعصبية- وغيرها من مسببات، قد ينتج عنه طفل ذو إعاقة، وقد يحدث نقص أكسجين في أثناء الولادة، فيُولَد طفل مُصاب بالشلل الدماغي، أما إذا وُلِد طفل طبيعي وليست لديه إعاقات لكنه ضعيف البنية ويعاني من الأنيميا فإنه يصبح قليل النشاط والانتباه والتركيز، ومن ثمَّ لا يعطي اهتمامًا لما حوله ولا يتفاعل مع المحيطين، الأمر الذي قد يؤثر في نموه اللغوي.

  • الذكاء:

لدرجة ذكاء الطفل أيضًا دور في نموه اللغوي؛ فالأطفال الأكثر ذكاءً لهم قدرة أعلى على اكتساب اللغة واستخدامها بمهارة أكثر من غيرهم، سواءً كان ذلك في الحصيلة المعرفية أو في بناء الجملة وتكوينها وصحتها.

  • جنس الطفل:

تتفوق الإناث في اكتساب اللغة وإتقانها بالمراحل الأولى وحتى عمر ست سنوات، وذلك وفقًا لعوامل بيولوجية، فيرى لينبرج وغيره من علماء النفس البيولوجيين أن المخ عند البنات ينضج في وقت مبكر عنه عند البنين، خصوصًا فيما يتعلق بمركز الكلام في الجانب المسيطر على هذه الوظيفة، ذلك أن النضج اللحائي في هذه الحالة يساعد على الإسراع في إخراج الأصوات، وكذلك معدل اكتساب اللغة.[1]

كما أن بعض العوامل، التي تتمثل في قرب الإناث إلى الأم والبقاء معها بالمنزل فترات أطول يقمن فيها بأنشطة يومية مختلفة تتضمَّن تبادل الحديث، تثري حصيلتهن اللغوية، على عكس الذكور الذين يفضلون الأنشطة الحركية أكثر.

  • العوامل الاجتماعية:
هناك عدة عوامل اجتماعية تؤثر في النمو اللغوي للأطفال، ومنها:
  • ‌العلاقات الأسرية وحجم الأسرة:

إذا كانت الأسرة مستقرةً ويغلب عليها الود والانسجام والترابط، ستربي طفلًا سويًّا قادرًا على اكتساب اللغة والتواصل من خلال تعبيره عن أفكاره متى يشاء، ومن ثمَّ تنمو قدراته المعرفية واللغوية، بعكس الطفل الذي ينشأ في جو من التسلط والتحكم يدفعه إلى تجنب المشاركة والتعبير عن آرائه خوفًا من التوبيخ والتأنيب.

يعتقد الجميع أن الطفل الوحيد أو الطفل الأول في الأسرة يتمتع بمستوى لغوي ومعرفي أفضل من الذي يعيش وسط عدد كبير من الإخوة، وذلك نتيجةً لاهتمام المحيطين وتركيز جهودهم على هذا الطفل، ما يعطيه الثقة والقدرة على الانتباه والتعبير بصورة أفضل.

لكن وجهة نظري -من خلال الملاحظات والاحتكاك بأطفال في عوائل مختلفة بحكم العمل- أن هذا الرأي ربما يكون صحيحًا في حالات نادرة، لكن -على الغالب- الطفل الذي ينشأ وله إخوة قريبون في العمر يكون أكثر قدرةً على اكتساب اللغة والتعبير من خلال التقليد واللعب والمحاكاة، كما أن الأسرة الكبيرة، التي بها جد وجدة وأقارب وبها تفاعلات وأحداث وأحاديث وحوارات يومية مختلفة، تزداد فيها فرص الطفل على التفاعل وإثراء معارفه وقدراته اللغوية من خلال حكي القصص والحكايات.

  • البيئة المحيطة ونمط حياة الطفل:

 بيئة الطفل المحيطة لها أثر كبير في بناء شخصيته وتحديد سلوكياته وعلاقاته مع الآخرين، وتسهم كذلك بشكل كبير في نموه اللغوي من خلال احتكاكه بكل ما يحيط به داخل منزله وأسرته وخارجهما؛ فالطفل في البيئة الريفية لديه مفردات لغوية ومثيرات متنوعة من الطبيعة كالأشجار والنباتات والطيور والحيوانات المحيطة، وكذلك رفاق اللعب من البيئة نفسها، بعكس الطفل في البيئة الحضرية، الذي تتحدد معارفه فيها من خلال المحيطين داخل منزله أو في الزيارات والنزهات التي لا تكون بشكل مستمر عادةً، ومن ثمَّ فإن احتمالية تكرار اللفظ أو المثير أمام الطفل أكثر من مرة إلى أن يتقنه غير وارد.

  • ‌‌التجاور مع الطفل خلال اللعب:

يجب على الوالدين أن يشاركا طفلهما في أثناء اللعب باستخدام كلمات بسيطة وواضحة من خلال تسمية الأشياء أو إدخال المفاهيم عن طريق الألعاب التفاعلية وألعاب تبادل الأدوار والمطابقة كي يستطيع الربط بين الأشياء والسياق المحيط بها، فلا يجب أن يقتصر دورهما على مجرد شراء الألعاب وتركها للطفل يعبث بها فقط.

  • تداخل اللغات:

يرغب الكثيرون من أولياء الأمر في إدخال أكثر من لغة للطفل وهو في المراحل الأولى من عمره، حيث تكون لديه قدرة أكبر على اكتساب اللغة، لكن بعض الدراسات تؤكد أن الخلط بين أكثر من لغة حول الطفل، وخصوصًا داخل أسرته، يؤدي إلى تشتت الطفل وارتباكه في أثناء محاولته انتقاء الألفاظ المناسبة للتعبير عن حاجاته، وكذلك اللهجات المختلفة التي يتعرض لها من خلال التلفزيون، وبخاصة الرسوم المتحركة باللغة العربية الفصحى، وكما هي الحال في بعض قنوات الأناشيد التي لها تأثير سلبي جدًّا على معظم أطفال اليوم نتيجة اختيارها نغمةً ولحنًا ثابتين مع مختلف الكلمات في الأغاني المعروضة، ما يجعل الأطفال يتحدثون بالطريقة نفسها دون فهم أو تركيز فيما يقال.

لكن أخيرًا، ثبت أن ثنائية اللغة لا تؤثر في النمو اللغوي للطفل، شرط أن يتحدث صاحب اللغة المراد تعليمها للطفل بها باستمرار دون الخلط بينها وبين أخرى، حتى يكتسبها الطفل بشكل صحيح دون لبس.

[1] معمر نواف الهوارنة، اكتساب اللغة عند الأطفال، دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2010، 58-59