يُصدَم الأهل دائمًا عندما نقول لهم إن حل معظم مشكلاتنا يكون بالبحث في أساسها التاريخي والرجوع إلى بيوتنا، حتى مشكلات التعليم تكون سببًا بارزًا لهذه المشكلات.

فلِم العجب؟

يخبرنا التاريخ عن مجتمعات عاشت بلا تعليم نظامي أو رياض أطفال، وكان التعليم فيها يعتمد على زوايا البيوت، ومع ذلك أخرج علماء وأطباء ورجال دين؛ كالشيخ الألباني وتوماس أديسون وغيرهما.

إذن، هذا الحل ليس بدعًا من القول، وليس أمرًا مستغربًا؛ فالتعليم المنزلي يعود أصله إلى العهد الاستعماري في القرن السابع عشر، حين هاجر الأمريكان إلى العالم الجديد وبدؤوا إنشاء مستعمراتهم؛ فكان السبيل الوحيد لتعليم الاطفال هو التعليم في المنزل.

في ذلك الوقت، اهتمت دول أوروبا بإدخال الدين في التعليم ودمجه به، وحرصوا على الترابط الأسري، وكانت الكنيسة هي المسيطرة على التعليم في القرن التاسع عشر. بدأت أمريكا فرض التعليم الإجباري على الأطفال، وتقبَّل الناس وقتها فكرة التعليم المؤسسي بناء على أنها تُعزِّز جهود البيت التربوية، لكنها ليست هي الأساس.

إذن، تعالوا نُلخِّص لماذا قد تفكر يومًا ما في التحليق بعيدًا عن المؤسسات، وأن تكون البداية من بيوتنا وليست من الخارج.

  • قد تكون على قدر من العلم والمعرفة كافٍ لتدرك أن التعليم المؤسسي حاليًّا خالٍ – إلا من رحم ربي- من تأسيس في الدين والعلوم الشرعية الصحيحة للطفل المسلم، فمن ثمَّ يكون البيت هو البداية والأساس. لذلك، إن لم يوجد هذا التأسيس في البيوت فلن تجده بين أروقة المؤسسات التعليمية، روضاتٍ أو مدارس.
  • لأن الانفلات الأخلاقي يزداد يومًا عن يوم في المؤسسات التعليمية، بينما يحاول البيت أن يحافظ على الحد المقبول من الأخلاق، على الأقل عند الأبناء.
  • قد يواجه الأبناء صعوباتٍ في التعليم ولا يعرفون كيفية التعامل معها، وقد يحدث العكس، كأن يكون الأبناء مميزين إلى الدرجة التي تجعلهم يرون المنهج المدرسي منهجًا جامدًا لا يراعي الفروق الفردية والتميز بين الطلاب، فلا يأخذ الطالب الموهوب حقه في هذا النظام الثابت الذي يفتقر إلى المرونة ويطفئ الإبداع عند الأطفال.

إذن، التعليم المنزلي يوضح لنا أن مهمتنا -كبيوت مسلمة- لا تنتهي ولن تنتهي بمجرد أن يدخل الطفل منظومة التعليم المؤسسي كالروضة أو المدرسة. بل على العكس، من المفترض أن هذه المهمة تحتاج إلى مجهودات أكبر حتى نواكب هذا العصر الذي تغيب فيه القيم ويتراجع دور الدين وتختفي الأخلاق بصورة مخيفة. كما أن التعليم المنزلي يذكرنا بضرورة أن يكون هناك وقت مُخصَّص للأبناء بعيدًا عن الإنهاك الحاصل للأسر بسبب سعيهم لتأمين متطلبات الحياة.

لذلك، كان لزامًا على الوالدين أن يعيدوا برمجة حياتهم من جديد بعيدًا عن الاستهلاك والإسراف، لتتفرَّغ الأم وتُؤمِّن لنفسها وقتًا تستزيد من العلوم لكي تعلم أبناءها ما يواكب العصر ويناسب مجرياته.

يوضح لنا التعليم المنزلي أن الطريقة الطبيعية للتعليم هي المشاركة الأسرية والتفاعل بين الأسرة وأصدقاء الأسرة والأقارب، فمن خلال المشكلات والحلول، والاستمتاع والضيق، والنزاع والرضا، يتعلم الطفل الحياة، ويكون أقرب إلى فهمها من الذي يتعلم عبر المؤسسات، وإن كان التعليم الإلزامي المؤسسي يجمع عددًا مهولًا من الطلاب ويكون فوق طاقة المعلم.

فالتعليم المنزلي هو تعليم فرد لفرد، بمعنى أن أهل البيت يختارون معلمًا عن ثقة وأخلاق يعلم ابنهم مادةً ما بجانب أبناء آخرين، ولكن العدد يكون بسيطًا لا مهرجانًا كما في الفصل، كما يمكنه أن يعدل في المنهج وفقًا لما يناسب الأطفال، على عكس العدد الكبير في الفصل، والذي يجعل كل شيء صعب التغيير وجامدًا يفتقر إلى المرونة.

وأخيرًا، العنصر الأهم بالنسبة إلينا كأمهات هو عنصر الأمن في التعليم من المنزل.

  • الأمان المعنوي أولًا؛ فالمؤسسات انتشر فيها العنف المعنوي من تنمر وتحرش وترهيب الأطفال من التعليم.
  • الأمان من كثرة المشتتات التي تتسبب فيها المؤسسات، سواء على مستوى النفس أو النظر؛ لأن المؤسسات، التي من المفترض أنها محاضن تربوية وعملية وتعليمية، لا تمت إلى ذلك بصلة؛ فجدران الفصل تملؤها الزينة والملصقات التي تحمل صور شخصيات ديزني الكارتونية ولا تليق بعالم الطفولة ولا بديننا، والكراسي والطاولات والأثاث مبهرج ومُشتِّت لانتباه الطلاب ومؤثر بالسلب في تركيزهم، ثم نشكوا بعد ذلك من أمراض ذهنية لها علاقة بالتشتت وكثرة الحركة، هذا غير غياب الألوان التي تناسب الأطفال وتتناسق مع سماتهم.

بينما تخلو بيئة المنزل من كل ذلك، فهي أقرب إلى الطبيعة والألوان الهادئة التي تساعد الطفل على التركيز.

دعونا نختم كلامنا بقصة الشيخ الألباني – رحمه الله، الذي كان من عائلة فقيرة، وعلمه والده القرآن والنحو والصرف والتجويد والفقه على المذهب الحنفي، وعمل في مهنة إصلاح الساعات، وهي مهنة والده، وكان مشهورًا فيها، ثم اتجه إلى دراسة علم الحديث، واشتُهِر في الشام جدًّا لدرجة أن المكتبة الظاهرية بدمشق خصَّصت غرفةً له، وأعطت مفاتيحها يدخلها وقتما يشاء.

في النهاية، الخروج عن منظومة المدارس وتفكيرها وعدم قولبة أنفسنا داخل منظومة استعبادية من الدرجة الأولى هو بمنزلة إخراج أحرار في هذا الزمان من أوهام كثيرة. ولو قرأتم التاريخ لوجدتم الكثيرين (عظماء بلا مدارس).

الأمر ليس سهلًا، لكنه على الأقل ليس وهمًا أو خيالًا، ولكن البدء من بيوتنا هو الحل الثوري للتخلي عن تلك المنظومات الاستعبادية.

المقال الثاني من سلسلة:

#روضةومدرسةفي_حوار