نتيجةً للتطورات التي ظهرت في مجال علاج ضعاف السمع، انتشر في الآونة الأخيرة مفهوم التأهيل السمعي اللفظي؛ فقد تطوَّرت المُعينات السمعية وأصبحت أكثر دقة وكفاءة، كما تطوَّرت عمليات زراعة القوقعة السمعية[1]. هذه التطورات استدعت تطوير برامج تأهيلية وعلاجية تتماشى معها لتمكين الأطفال، الذين لديهم ضعف سمعي، من تنمية مهارات الاستماع من أجل اكتساب اللغة بصورة طبيعية كبقية أقرانهم في المراحل العمرية نفسها، والقدرة على الاندماج في النظام التعليمي بفعالية، بدلًا من الاعتماد على قراءة الشفاه أو الكتابة أو لغة الإشارة لتحقيق التواصل.

وأبرز هذه البرامج: برنامج (جش) للتأهيل السمعي اللفظي

Jish aural/oral rehabilitation activities & skills

يُعَدُّ برنامج (جش) من أول البرامج التأهيلية المُتبَعة لتأهيل ضعاف السمع بمختلف الدول العربية. وقد لاقى نجاحًا كبيرًا، وهو يُستخدَم منذ سنوات في أكبر المراكز والعيادات والمستشفيات والجامعات محليًّا وإقليميًّا، وذلك نظرًا إلى غياب البدائل المناسبة، كلغة الإشارة مثلًا؛ إذ لا توجد حتى الآن لغة إشارة مُوحَّدة ومُنظَّمة يمكن أن يعتمد عليها ضعاف السمع في التعلم أو التواصل مع الآخرين، مثلما هي الحال بالنسبة إلى لغة الإشارة الأمريكية (ASL).

يعتمد هذا البرنامج على الاستماع من أجل تعلم الكلام، عن طريق السمع وليس النظر؛ لذا، يتم التدريب في أفضل الظروف السمعية لتسهيل الاستماع، ومن ثم تسهيل عملية التعلم. وتُعزَّز ظروف الاستماع عن طريق:

  1. الجلوس بجانب الطفل من جهة الأذن الأفضل استماعًا
  2. التحدث قريبًا من المُعين السمعي أو جهاز القوقعة السمعية المزروعة بأذن الطفل
  3. التحدث بصوت عادي (ليس بالهمس أو الصراخ)
  4. تقليل الصوت أو الضجيج الموجود في الخلفية (المكيف أو التلفاز، وغيرهما)
  5. استعمال أنماط كلامية غنية بعناصر التنغيم والإيقاع والتعبير (مثال: صوت حزين أو غاضب، وهكذا)
  6. استخدام أسلوب الإبراز السمعي (Acoustic Highlighting)، أي تمييز الكلمات غير المفهومة عن بقية الجملة، عن طريق لفظها بصوت أعلى أو بنغمة مختلفة.

توجد عوامل مؤثرة في تقدم الطفل ومدى استجابته؛ إذ يتميز كل طفل عن الآخر وكل عائلة عن الأخرى بأنماط تعلم وحياة مختلفة، لذا يختلف مستوى تطور مهارات الاستماع والتواصل من طفل إلى آخر، وغالبًا ما يعتمد التقدم على عدد من العوامل، منها: عمر الطفل عند اكتشاف مشكلة السمع، درجة فقدان السمع، مدى فعالية المُعين السمعي أو القوقعة، درجة ذكاء الطفل، الحالة الصحية للطفل، مدى تعاون الأهل والمحيطين في تنفيذ إرشادات البرنامج.

في البداية، يتم التدريب على استخدام المُعينات السمعية فور ارتداء الطفل للسماعة أو بعد الانتهاء من البرمجة بعد زراعة القوقعة، ويُدرَّب الأهل على استخدام المُعينات السمعية وأساليب فحصها وصيانتها والتغلب على أي مشكلة تتعلق برفض الطفل ارتداءها، وذلك عن طريق:

  1. استخدام المُعين السمعي بانتظام طوال ساعات النهار، وذلك بعمل جدول أسبوعي أو شهري يوضح فترة استخدامه كل يوم
  2. الدلالة عند تشغيل المُعين السمعي وعند إطفائه، بتدريب الطفل على إصدار أي رد فعل في أثناء تشغيله وعند إطفائه
  3. طلب المساعدة عندما تكون المُعينات السمعية لا تعمل، باستخدام بطارية فارغة وسؤال الطفل إن كان يسمع أم لا، ثم تكرار التجربة لكن ببطارية سليمة، وتُكرَّر العملية حتى يدرك الطفل متى يطلب المساعدة بتغيير البطارية.

وينقسم برنامج (جش) إلى 15 مرحلة، ويُفضَّل أن تتم بالترتيب نفسه لتحقيق نتائج أفضل:

أولًا: مرحلة الوعي الصوتي (الانتباه إلى الصوت)، وتنقسم إلى مرحلتين:

  1. إدراك الصوت: تدريب الطفل على إدراك وجود صوت حوله، وذلك لنقل انتباهه من بصري إلى سمعي. ويتم التدريب عبر إصدار صوت في أثناء انشغال الطفل بنشاط ما، وذلك بالطرق على الباب أو التصفيق، وتظهر الاستجابة عندما تتغير ملامح وجه الطفل أو يتوقف عن أي نشاط مشغول به
  2. تحديد اتجاه الصوت: أن ينتبه الطفل إلى ناحية مصدر الصوت. ويتم التدريب على إصدار الصوت من جهات مختلفة (من الأمام والخلف واليمين واليسار وخارج الغرفة وداخلها)، والتدريب بالنمذجة بمساعدة شخص آخر يصدر رد فعل عند بداية الصوت فيقلده الطفل.

ثانيًا: مرحلة التمييز السمعي، وتنقسم إلى 10 مراحل يُميَّز فيها بين:

  1. مدة الصوت (طويل/قصير)، مثل صوت الخروف (ماااااء) أو صوت الكلب (هو هو)
  2. مدى الصوت (مستمر/متقطع)، مثل صوت السيارة (بيييييييب) أو صوت الساعة (تك تك تك)
  3. شدة الصوت (عالٍ/منخفض)، مثل صوت الأسد أو صوت الفأر
  4. سرعة الصوت (سريع/بطيء)، شخص يتحدث بسرعة أو شخص يتحدث ببطء
  5. تمييز الفروق البسيطة بين الأصوات، مثل صوت حبات الأرز أو الخرز أو الرمل أو الدبابيس، إلخ
  6. تمييز أصوات البيئة، مثل أصوات الحيوانات والمواصلات والجرس ورنين الهاتف وأدوات المنزل، وغيرها
  7. تمييز الطبقة الصوتية، صوت طفل أو امرأة أو رجل
  8. الأنماط التنغيمية، للتمييز بين صوت القراءة والغناء مثلًا، وبين أساليب الكلام المختلفة مثل الأمر والسؤال والتعجب
  9. تمييز الأصوات الكلامية المتشابهة في المخرَج، مثل صوت م/ب أو ت/د
  10. تمييز مقاطع الكلمات: التدريب على كلمات من مقطع واحد مثل “باب”، وكلمات من مقطعين مثل “بابا”، وكلمات من ثلاثة مقاطع مثل “سمكة”.

ملحوظة: في كل هذه المراحل يكون معيار النجاح هو تحقيق 8 إلى 10 استجابات صحيحة.

ثالثًا: مرحلة الإدراك السمعي، وتنقسم إلى ثلاث مراحل:

  1. اتباع الأوامر والتعليمات: من خلال السمع، يتبع تعليمات مُركَّبة، مثل “اذهب إلى الباب واطرقه” أو “ضع المكعبات في السلة”
  2. التعرُّف بالوصف: أن يتعرَّف على شيء من خلال سماع صفاته “يعمل بالكهرباء ونصنع فيه العصير: الخلاط”
  3. الاستجابة إلى المحادثة الكلامية ومناقشة موضوع: إجراء حوار مع الطفل يشمل كل المهارات السابقة ومدى إتقانه لها من خلال توجيه الأسئلة المختلفة بشأن موضوع معين.

هذه المراحل السابقة تُسمَّى “برنامج (جش) المبكر”، وعند إتقان الطفل لها، يُنتقَل إلى “برنامج (جش) المتقدم”، الذي يُتعامَل فيه مع الطفل كأي طفل آخر لديه مشكلات في الذاكرة وفهم اللغة والاستيعاب والربط السمعي وغيرها.

في النهاية، نؤكد أن نجاح البرنامج يعتمد بالأساس على مشاركة الأهل في تطبيقه على مدار اليوم مع طفلهم ليكون أكثر فعالية؛ فجلسات التأهيل السمعي اللفظي غالبًا ما تكون إرشادية، يُقيَّم فيها التقدم والمهارات التى أحرزها الطفل ووالداه، وتكليفهم بمهارات جديدة بناءً على ذلك، لذا، نؤكد على دور الأهل والمحيطين، ونقدم لهم كامل الدعم والمساعدة بهذا المقال.

[1] عبارة عن جهاز إلكتروني صغير الحجم يعمل على قياس الأصوات ومعالجتها، ثم تحفيز العصب السمعي لتوصيل الصوت إلى الشخص الذي لا يمكنه سماع الأصوات بطريقة أخرى.

تدقيق وتحرير: أ.أحمد مدرة|| مصر.