الاضطرابات النفسية في جيل المراهقة

يُعبِّر مصطلح «الاضطرابات النفسية» عن اضطرابات في عمل الدماغ، ويُصاب الإنسان بهذه الاضطرابات خلال حياته لأسباب عديدة ناتجة من علاقة معقدة بين جينات الشخص وبيئته المحيطة، ولا علاقة لها بثقافته أو قوميَّته؛ فهذه الاضطرابات منتشرة في العالم عند كل القوميَّات والثقافات المتنوعة بنسب متقاربة.

في المقابل، هناك علاقة واضحة بين الاضطرابات النفسية والجيل؛ فاحتمالات أن يُصاب شخص باضطراب نفسي في جيل المراهقة أكثر من احتمالات إصابته في جيل الطفولة، إذ أثبتت الإحصاءات أن واحدًا من كل خمسة مراهقين يُصاب باضطراب نفسي، أي إن الاضطرابات النفسية منتشرة بين المراهقين بنسبة 20%.

وكما هو معلوم، فإن لجيل المراهقة خصائص عديدة تُميِّزه عن الأجيال الأخرى؛ فقد ذكرت النظريات العلمية أن المرء في بداية بلوغه ينشغل بالبحث عن ذاته وإثبات نفسه بين أقرانه وصقل شخصية قوية مستقلة عن عائلته، وفي سبيل ذلك، يعيش المراهق تخبُّطات كثيرة.

هذا بالإضافة إلى الضغط الداخلي الذي يعيشه المراهق، وهو يمثل حاجته إلى الاستقلالية والانخراط بالمجتمع؛ فالشباب يتعرضون لضغط دائم من البيئة المحيطة (مثلًا في ما يتعلق بالتحصيل الدراسي وغيره)، وكل مراهق يتعامل مع هذه الضغوطات بطريقة مختلفة. طريقة التعامل مع هذه الضغوطات هي قرار الشاب نفسه، وتتعلق بشخصيته أيضًا.

في ظل هذه التخبُّطات، التي تتزامن مع التغيُّرات الجسدية والهرمونية في هذا الجيل، قد يُصاب الكثير من المراهقين بضغوطات نفسية ربما تؤدي إلى اضطرابات نفسية.

لكن هناك تشابهًا واضحًا بين أعراض الاضطرابات النفسية وتصرفات المراهق ومشاعره المألوفة في جيل البلوغ، لذلك هناك أساليب علاجية تُقلِّل من احتمال حدوث اضطرابات نفسية للمراهق في المستقبل؛ فالعلاج الفعَّال لاضطراب القلق -مثلًا- في جيل المراهقة يُقلِّل من خطر تطوره في مرحلة متقدمة من حياته.

تنقسم الاضطرابات الأكثر رواجًا بين المراهقين إلى فئات مختلفة: اضطرابات القلق، الاضطرابات المزاجية (الاكتئاب)، اضطرابات السلوك الخاطئ (مثلًا Hyperactive)، ازدواجية الشخصية (اضطرابات الفصام)، اضطرابات أخرى.

يمكن تمييز الاضطرابات النفسية من خلال عدة عوامل، أهمها: تغيُّرات غير معتادة ومبالغ فيها بتصرفات المراهق (تغيُّر متطرف لوقت طويل)؛ مثلًا، إذا كان في غالب أوقاته منفتحًا ومتحدثًا ولُوحِظ تغيُّر ذلك إلى الصمت والهدوء غير المعتادين، أو تغيُّرات واضحة في المستوى الدراسي، أو تغيُّر ملحوظ وغير مُبرَّر في وزنه (ارتفاع الوزن أو انخفاضه بصورة متطرفة)، أو صعوبات في التركيز، أو مشكلات في النوم، أو أوجاع البطن أو الصدر، أو نبض متسارع، أو تصرفات اندفاعية لم تكن موجودة من قبل، إلخ.

اضطرابات القلق:

وفقًا للتحليل النفسي، القلق مرتبط بأمر حقيقي، بكلمات أخرى: ظهور القلق هو دلالة على أمر حرِج متعلق بالشعور بالقلق. من علامات القلق الجسدية: التقيُّؤ، آلام البطن، التعرُّق الشديد، مشكلات النوم (كثرة النوم أو نقصه)، النبض السريع، أوجاع بالصدر.

الإشارات الجسدية وحدها لا تدل بالضرورة على القلق؛ ففي الغالب يرافقها تغيُّر جوهري وبارز في التصرفات (مثلًا: الانقطاع، الهدوء المفرط، الانطواء، الغضب، الشراسة، الانفعالات الزائدة، اضطرابات الأكل، غيرها).

الشاب، الذي يعاني من القلق، يُظهر ذلك في تصرفاته، وأيضًا يبرز القلق في تصوُّره لذاته وأفكاره الداخلية؛ فيميل إلى التفكير في أمور سلبية، كالفشل وعدم القدرة على التأقلم والشعور بخيبة الأمل، بالإضافة إلى الأفكار التي تسبب له الخوف وتدفعه إلى الهروب من الوضع المؤدي للقلق – بالنسبة إليه.

ينص النهج النفسي التحليلي على أن القلق هو طرف الخيط الذي يُمكِّننا من الوصول الى أمر جوهري أكثر، والذي عن طريقه تظهر حالة القلق عند الشخص، وبهذا يمكن تفهُّم الشاب ومعرفة مشكلاته والصعوبات التي ترافقه في حياته؛ إذ إن حالة القلق تشكل العارض الذي يدل على هذه الصعوبات.

الاكتئاب:

من الطبيعي أن يشعر الشاب في جيل المراهقة بالحزن والعصبية على فترات متفاوتة، ولكن إن استمرت هذه المشاعر لوقت طويل وتحولت إلى مشاعر دائمة لا يستطيع المراهق معالجتها، فحينها يمكننا القول إنه يعاني من الاكتئاب.

هناك بعض الأعراض المنتشرة بكثرة بين المصابين بالاكتئاب، وخصوصًا بين فئة الشباب، مع الأخذ في الاعتبار أن كل إنسان يعيش تجربته ومشاعره المنفردة في الاضطراب أعلاه، ومن هذه العلامات:

– مشاعر العصبية والغضب المستمرة لفترة طويلة

– الشعور بالملل من كل شيء (لا شيء ممتع)

– عدم تقدير الذات / الشعور بالسوء تجاه نفسه / الشعور بالذنب

– اضطراب في النوم (كثرة النوم أو قلَّته بصورة مبالغ فيها)

– أوجاع رأس متكررة بلا تفسير طبي أو مشكلات جسدية أخرى

– كل شيء يجعله يبكي

– زيادة الوزن أو نقصانه بصورة ملحوظة، ودون إدراك المراهق

– عدم القدرة على التركيز، الذي قد يؤثر سلبًا في مستواه الدراسي

– الشعور بالعجز واليأس

– أفكار متكررة عن الموت والانتحار (في حالة الوصول إلى هذا الوضع يجب الخضوع لاستشارة علاجية طبية ونفسية).

كيف يمكن للمراهق أن يتأقلم مع اضطراب الاكتئاب؟

قبل كل شيء، على الشاب تقبُّل مشاعره وعدم إلقاء اللوم على نفسه لإصابته بالاكتئاب. بالإضافة إلى ذلك، يساعده الحفاظ على مشاركته بين أفراد عائلته والبيئة المحيطة على الشعور بالاستقرار أكثر وتحسين وضعه النفسي؛ فالمصابون بالاكتئاب عادةً يمتنعون عن المشاركة في الفعاليات والتجمُّعات، وهذا يشكل خطرًا عليه ويزيده سوءًا، وهنا يكون دور العائلة أو المجتمع المحيط، فعلى أعضاء دائرته القريبة فرض مشاركته وتحفيز مشاعره الإيجابية بقربهم وحبهم واحتوائهم له. وأخيرًا، تجب المتابعة الطبية والعلاجية مع المتخصصين -سواء المعالجين النفسيين أو الأطبَّاء- لمساعدته.

للصحة الجسدية أيضًا تأثير كبير في التقليل من أسباب الإصابة بالاكتئاب، كممارسة الرياضة بكل أنواعها، مثل ركوب الخيل، والدراجة، والمشي، والتمرين لبناء الجسم، والسباحة، وكرة القدم، وغيرها من الرياضات الأخرى التي تحفز الهرمونات المسؤولة عن مشاعر السعادة والراحة، كما يساعد اتباع نظام غذائي صحي غني بالفيتامينات والحاجات الغذائية للجسم على التقليل من أعراض الاكتئاب لدى المراهق.

الفصام:

اضطرابات الفصام لدى الشباب تلزم التوجُّه إلى متخصصين للعلاج النفسي، للخضوع إلى مساعدة وعلاج يناسب هذا النوع من الاضطرابات.

أظهرت بعض الأبحاث، التي تفحص العلاقة بين جيل المراهقة والصحة النفسية، نتائج تدل على وجود مناطق معينة في الدماغ متعقلة باضطرابات الفصام تتطور سريعًا مقارنةً بمناطق أخرى، هي ذاتها المناطق المتعلقة بالتواصل، إذ يترك أي تشويش فيها تأثيرًا على المدى البعيد.

وفي أبحاث أخرى فحصت أدمغة المراهقين -على وجه الخصوص أبناء جيل 14 سنة- وفحصت المناطق المختلفة في الدماغ وتطرقت إلى الجانب الوراثي، أظهرت نتائجها أن هناك علاقة وطيدة بين المناطق المسؤولة عن تطوُّر المراهق بصورة سليمة والأخرى المسؤولة عن تطوُّر التواصل، بحيث أن مشكلة في إحدى هذه المناطق تؤثر سلبًا في الأخرى.

إلى اليوم، لا يوجد تفسير علمي واضح لاضطرابات الفصام لدى المراهقين، ولذلك خلُص الباحثون إلى أن هناك دمجًا بين عدة جوانب: الوراثة، وكيمياء الدماغ، والبيئة المحيطة. هذه العوامل الثلاثة تؤثر في مدى تطور الفصام لدى المراهقين والبالغين أيضًا، مع الأخذ في الاعتبار عوامل مؤثرة خارجية أخرى.

يمكن ملاحظة اضطرابات الفصام عند المراهقين والبالغين من خلال تصرفاتهم ومشاعرهم وطريقة تفكيرهم؛ إذ يعاني المراهقون المصابون بهذه الاضطرابات من الهلوسة والأداء الضعيف والكلام غير المفهوم. وتظهر أعراض هذه الاضطرابات لدى المراهقين قبل جيل الـ 18، وفي حالات نادرة جدًّا تظهر قبل الـ 13.

تتغير خطورة العلامات بمرور الوقت، ويُتوقَّع أن يركد بعضها أو كلها في فترات معينة. في مراحل الاضطراب المتقدمة، يصعب التمييز بين العلامات، فبعض منها قد يتعلق بعلامات سن المراهقة، مثلًا: اضطرابات النوم، العزلة، انخفاض مستوى التحصيل العلمي.

من المهم جدًّا متابعة المريض بصورة مهنية وخضوعه لعلاج نفسي، وقد يتطلب الأمر دمجه مع العلاج الدوائي، وذلك يعتمد على حالته ومدى تطور الاضطراب عنده.

مع تنوع الاضطرابات العديدة المنتشرة بين المراهقين، اتِّباع أسلوب الحوار المباشر مع المراهق مهم جدًّا في حالة لاحظنا تغيُّرًا ملحوظًا في تصرفاته، وبجانب إدارة الحوار جيدًا، يجب الأخذ في الاعتبار حساسية الموقف، والإصغاء له، بآذاننا وأعيننا.

قد يتجاوب المراهق معك أو يحاول معارضتك، وفي حالة المعارضة التامة من جهته مع استمرار وضعه النفسي السيئ والتصرفات المرافقة لذلك لوقت طويل (كالعزلة والصمت وغيرهما)، عليك الاستعانة بعامل مهني علاجي متخصص لعلاجه، ومحاولة السيطرة على وضعه النفسي ومنع تفاقمه.

كثيرة هي الصعوبات والمفاجآت التي قد تواجهنا كبشر في حياتنا، وقد يكون تأثيرها أقوى في المراهقين لحساسية سن البلوغ والتطورات الجسدية والعاطفية خلالها، لذا علينا أن نحتويهم ونتفهم ظروفهم، وبذلك نبني العلاقة الآمنة معهم، وهذه مسؤوليتنا كمربِّين ومعلمين وأهالٍ.

تدقيق لغوي وتحرير: أحمد مدرة|| مصر.