الإعاقات المتقاربة والمتداخلة مع التوحد

 

يُنبِّه معظم الباحثين والمختصين المهتمين بتشخيص الذاتوية دائمًا إلى معضلة تشابه السلوكيات المرتبطة بالتوحد مع أعراض إعاقات أخرى متعددة. وللوصول إلى تشخيص دقيق للذاتوية، ينبغي النظر في ماهية هذه الإعاقات وإيضاح الفروق الجوهرية بينها في ما يُسمَّى بـ «التشخيص الفارق».

وفي ما يلي، أهم الفروقات بين الذاتوية وبعض الإعاقات أو الاضطرابات:

1– الذاتوية – التخلف العقلي (Mental Retardation):

كثيرًا ما يصاحب حالات التوحد تخلف عقلي نتيجة عوامل مختلفة، مثل العوامل البيولوجية التي حدثت قبل الإخصاب أو بعده، أو في أثناء الحمل أو الولادة، لكن توجد فروقات بينهم.

أوجه التشابه بين الذاتوية والتخلف العقلي:

– كلاهما لديه سلوكيات نمطية شائعة، لكنها ليست متطابقة.

ـ كلاهما لديه صعوبات في اللغة والكلام، لكن لغة المعاق عقليًّا تتناسب مع درجة ذكائه، بينما التوحدي، إن توفرت لديه اللغة، تكون بها مشكلات مختلفة، مثل “Echolalia” أو المصاداة، أو عدم الدقة في استخدام الضمائر وغيرها.

أوجه الاختلاف:

ـ المعاق عقليًّا لديه قدرة على التواصل مع الآخرين لفظيًّا وغير لفظي، بعكس التوحدي.

ـ التوحدي لديه أداء أعلى في المهارات التى تتطلب ذاكرة قصيرة المدى، وقد يبرع بعضهم في الرسم والموسيقى مثلًا، لكن الأداء أقل في المهمات اللفظية، بينما المعاق عقليًّا لديه اضطراب واضح في الذاكرة، ومن ثم يكون الأداء منخفضًا ومتساويًا في المهمات، سواء كانت لفظية أو غير لفظية.

ـ من ناحية نسبة الذكاء: نحو 40% من حالات التوحد تقل نسبة ذكائهم عن 50، و30% منهم نسبة ذكائهم تصل إلى 70 أو اكثر، والبقية تصل نسبة ذكائهم إلى المستوى الطبيعي وأحيانا تصل لدى بعضهم عند مستوى العباقرة. أما نسبة ذكاء المعاقين عقليًّا جميعهم يقل عن 70.

– الطفل المعاق عقليًّا يتعلق بالآخرين ولديه وعي اجتماعي، بينما الطفل التوحدي عكس ذلك.

 

2- الذاتوية – فصام الطفولة (Childhood Schizophrenia):

يَعُدُّ كثير من المختصين التوحد والفصام اضطرابًا واحدًا يظهر في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل، لذلك كانوا يسمون التوحد بفصام الطفولة، ولكن الدراسات أظهرت وجود فروقات بينهم.

أوجه التشابه:

ـ نمطية السلوك، وخلل في الإدراك الحسي والشعور وتقدير الواقع والانتباه.

ـ اضطراب في اللغة؛ فالفصامي يكثر من استعمال الرموز عوضًا عن الألفاظ العادية، فعالمه مليء بالخيال. أما اضطراب اللغة عند التوحدي يأتي في صورة مصاداة أو جمل غير دقيقة.

أوجه الاختلاف:

– التوحدي يعاني صعوبة إقامة علاقات اجتماعية مع الآخرين، بينما بإمكان الفصاميين ذلك.

– الفصاميون يتعرضون إلى الهلاوس، وهذا غير موجود عند التوحديين.

– التوحد تظهرأعراضه في الطفولة المبكرة، أما أعراض الفصام تظهر في الطفولة المتأخرة.

– نسبة الإصابة بين الذكور والإناث في التوحد 1:4، بينما في الفصام متساوية.

 

3- الذاتوية – متلازمة الكروموزوم (X) الهش (fragile X syndrome):

هي شذوذ جيني في كروموسوم (X) يؤدي إلى إعاقة ذهنية ومشكلات سلوكية.

أوجه التشابه:

ـ قصور في الإدراك الحسي للمثيرات السمعية والبصرية.

ـ لديهم نشاط حركي زائد مصحوب بالعدوانية العصبية الموجهة إلى الذات أو الآخرين.

ـ لديهم صعوبات في التركيز والانتباه.

ـ قصور في التواصل البصري والحديث مع الآخرين.

ـ الإصابات في الذكور أعلى من الإناث.

أوجه الاختلاف:

ـ من ناحية الجينات الوراثية، لا يوجد في التوحديين هذا الكرموزوم الهش.

ـ لأطفال هذه المتلازمة صفات جسمانية مثل بروز الذقن والجبهة وكبر حجم الأذنين، بعكس التوحدي، فلا توجد علامات جسمانية تميزه.

 

4- الذاتوية – الإعاقة السمعية (Hearing impairment):

نظرًا إلى أن الطفل التوحدي غالبًا ما يكون صامتًا أو قد يظهر عدم اهتمام بالكلام في مرحلة مبكرة، قد يظن البعض أنه أصم، ولكن هناك فروقات:

أوجه التشابه:

ـ عدم القدرة على التواصل اللفظي والتخاطب مع الآخرين.

ـ كلاهما يظهر في الطفولة المبكرة.

أوجه الاختلاف:

– معدلات الذكاء في حالات الإصابة بالإعاقة السمعية أعلى من حالات التوحد.

– حالات الإعاقة السمعية تستطيع تحقيق تواصل غير لفظي وتكوين علاقات اجتماعية مع الآخرين أفضل من حالات التوحد.

 

5- الذاتوية واضطراب قصور أو تشتت الانتباه وفرط الحركة (ADHD):

يمكن أن يظهر في الأطفال بعمر ما قبل المدرسة أو الأطفال الأصغر عمرًا، وتشخيصه في هذه المرحلة صعب جدًّا؛ لأنه يسهل الخلط بينه وبين مشكلات النمو، مثل تأخر المهارات اللغوية وغيرها.

أوجه التشابه:

ـ قصور في الانتباه والتواصل البصري.

ـ اضطرابات في التعلم واللغة.

أوجه الاختلاف:

ـ النشاط الزائد قد يكون موجودًا في التوحدي أحيانًا، لكنه ليس دائمًا مثل طفل ADHD.

ـ مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي عند التوحدي بها خلل واضح، أما طفل ADHD لا يعاني هذا الخلل.

ـ سلوكيات التقيد والتكرارية موجودة بوضوح في التوحدي، بعكس طفل ADHD.

 

6- الذاتوية – الخرس أو الصمت الاختياري (Selective mutism):

تظهر الذاتوية في سن مبكرة، أما الخرس الاختياري أو الانتقائي عند الطفل يُتعرَّف عليه عندما يمتنع عن الكلام في أماكن دون غيرها؛ كأن يتحدث في المنزل ويرفض الحديث في المدرسة مثلًا. ويختلف النمط السلوكي الخاص بهؤلاء الأطفال عن سلوكيات الطفل التوحدي؛ فهم يستطيعون استخدام الكلمات والإيماءات لكن في سياقات معينة، كما أنه لا يوجد لديهم أي نوع من الاضطرابات الكلامية أو مهارات التواصل التي لدى الطفل التوحدي.

7- الذاتوية – متلازمة أسبيرجر (Asperger syndrome):

إعاقه الأسبيرجر من ناحية الشدة تُعَدُّ أخف من التوحد.

أوجه التشابه:

ـ كلاهما لديه خلل في التفاعل الاجتماعي وضعف في التواصل غير اللفظي.

ـ عادة ما تظهر في الذكور عن الإناث.

ـ الاهتمامات والنشاطات عند كليهما محدودة.

أوجه الاختلاف:

 ـ لا يوجد تأخر أو تخلف عام في اللغة أو في الارتقاء المعرفي، بخلاف طفل التوحد الذي يعاني تأخرًا أو توقفًا تامًّا في النمو اللغوى والقدرة على التخاطب.

ـ أعراض التوحد تبدأ في الطفولة المبكرة، بينما أعراض الأسبيرجر غالبًا ما تظهر متأخرة عند عمر 4-6 سنوات، أي الطفولة المتأخرة.

ـ توجد حالات كثيرة من الذاتويين تعاني تخلفًا عقليًّا مما يزيد من صعوبة هذه الإعاقة وشدتها، بينما الأسبيرجر ذكاؤهم طبيعي.

 

8- الذاتوية – متلازمة ريت (Rhett Syndrome):

متلازمة ريت هي أحد اضطرابات النمو الشاملة، وتحدث بعد مرحلة نمو طبيعي جسميًّا ووظيفيًّا لمدة 6 – 12 شهرًا أو أكثر بعد الولادة، ثم يظهر توقف وتدهور ملحوظان في النمو مع قصور في المهارات التي كانت الفتاة قد اكتسبتها خلالها.

أوجه التشابه:

– أحيانًا يصاحبها درجة تخلف عقلي.

ـ كلاهما لديه قصور في التواصل والانتباه واللغة.

أوجه الاختلاف:

ـ ريت تصاحبها إعاقات حركية ونوبات صرعية وتشنجات تزيد من عنف الإعاقة، أما الذاتوية فلا يصاحبها عجز حركي أو نوبات صرعية.

ـ تصيب ريت البنات فقط، أما الذاتوية تصيب كلا الجنسين.

ينبغي التأكيد على أن لهذه الفروقات دورًا كبيرًا في التشخيص الدقيق ووضع البرنامج التأهيلي المناسب لحالة الطفل من قبل المختصين، وأن الأسرة، التي لديها طفل يظهر عليه أحد الأعراض التي قد تجعله مختلفًا عن ذويه من المرحلة العمرية نفسها، ينبغي لها عدم التركيز على المسمى أو التوصيف بقدر التركيز على نقاط القوة والتميز في قدرات طفلهم وتنميتها.

تدقيق وتحرير: أ.أحمد مدرة|| مصر.