اضطراب طيف التوحد: طرق العلاج وأشهر برامج التدخل وإعادة التأهيل

ذكرنا في مقالات سابقة أنه -حتى الآن- لم يُكتشَف علاج نهائي وناجع للذاتوية، وذلك لأنه لا يوجد سبب محدد ودقيق لها؛ لذا، فإن أهم ما يُتَّبع في التعامل مع حالات الذاتوية هو البرامج التأهيلية التي تساعد المصاب على اكتساب المهارات السلوكية والوظيفية والاجتماعية بما يُمكِّنه من ممارسة حياته اليومية.

ومن أجل تحديد التدخلات المناسبة، يجب إجراء تقييم شامل لجميع الأعراض، يُدرسُ من خلاله التاريخ السلوكي والأعراض الحالية وأنماط التواصل والكفاءة الاجتماعية والأداء العصبي السيكولوجي، مع التركيز على نقاط القوة والضعف لدى الطفل في كل مجال.

ومن أهم شروط نجاح برنامج التدخل إشراك الوالدين والعائلة كجزء من عملية المعالجة.

أساليب علاج الذاتوية:

أولًا: العلاج البيئي:

من خلال تغيير البيئة السكنية للطفل، أي إدخاله إلى بيوت رعاية داخلية، أو مستشفيات مختصة، لمحاولة تنظيم الوسط الاجتماعي والفيزيقي الذي يعيش فيه، وتقديم برامج تعتمد على الجانب الاجتماعي بالتدريب على التواصل وإقامة علاقات شخصية متبادلة.

ثانيًا: العلاج النفسي:

هو محاولة إخراج الطفل من قوقعته الذاتوية من خلال استخدام أنشطة إيقاعية، مثل الموسيقى واللعب التمثيلي والسيكودراما، باعتبارها أحد أساليب العلاج النفسي الواعدة.

ثالثًا: العلاج الدوائي (البيوولوجي):

في حالة وجود مشكلات سلوكية شديدة، مثل محاولات إيذاء الذات أو الآخرين، قد يلجأ الطبيب إلى عقاقير التخدير للتهدئة، أو مضادات الاكتئاب والقلق، وأيضًا المعالجة بالفيتامينات التي تساعد على التركيز والانتباه وتُقوِّي الذاكرة مثل أوميجا 3.

رابعًا: العلاج بمساعدة الروبوتات:

نظرًا إلى ارتباط أطفال العصر الحديث بالتكنولوجيا أكثر من أي شيء آخر، كان لا بد من استخدامها في استثارة الطفل التوحدي ودفعه للتواصل مع الآخرين من خلال وسيط يُيسِّر عملية التواصل والتفاعل، كالروبوتات، مثلما تمَّت الاستعانة من قبل بالحيوانات، مثل الكلاب والدلافين، كطريقة لتحفيز التواصل البصري ودعم السلوك العاطفي والفكري والاجتماعي للطفل التوحدي.

في مارس 2017، نشرت وكالة «رويترز» خبرًا عن روبوت بريطاني يُدعى «كاسبر» أصبح مساعدًا حقيقيًّا في عملية دمج أطفال التوحد بالمجتمع وعلاجهم. صُمِّم «كاسبر» بطريقة أقل شبهًا بالبشر، وبملامح وسمات مُبسَّطة ساعدت على تقبُّل الطفل المتوحد له. ما يُعزِّز سهولة التواصل وردود الأفعال، كما نشرت تجارب أخرى مماثلة أثبتت فعالية في تحسين مهارات التواصل وتعزيز التفاعل الاجتماعي.

في مصر، على سبيل المثال، قدمت د. دينا الإسكندراني[1] تجربتها في هذا المجال من خلال استخدام روبوت كوسيط بين الطفل والمعالج من خلال تنمية بعض المهارات الفرعية، وهي التقليد والتواصل البصري وتبادل الأدوار وأخذ الدور وغيرها. ويعتمد نجاح البرنامج على اقتناع الطفل بأنَّ هذا الروبوت يتفاعل معه تلقائيًّا دون الانتباه إلى وحدة التحكم. لذا، لا بد من أن يكون هناك شخص آخر يتقبَّله الطفل، الأم مثلًا، يقوم بدور «محفز التفاعل» في أثناء الجلسات.

يتكون البرنامج من 15 جلسة علاجية تستغرق كل جلسة منها 20 دقيقة، ويمر الطفل خلال البرنامج بأربع مراحل:

1ـ مرحلة التعارف والتآلف مع الروبوت

2ـ مرحلة تحسين التواصل

3ـ مرحلة التفاعل

4ـ مرحلة تعميم التفاعل.

مع ضرورة تدعيم الطفل في الاستجابات الصحيحة من خلال الروبوت، كالرقص والتصفيق معه.

خامسًا: العلاج بالتغذية الراجعة العصبية “NFT – neurofeedback therapy“:

عرضنا في مقال النظريات المفسرة للتوحد نظرية الاتصال العصبي باعتبارها أحدث النظريات المفسرة لحدوث التوحد، ويُحدَّد من خلالها نمط الخلل أو منطقته، ومن ثمَّ يُعالج من خلال جهاز يُسمَّى «النيوروفيد باك» “Neurofeedback” أو التغذية الراجعة، وهي تقنية حديثة تُستخدَم بجانب برامج التأهيل التي يقدمها اختصاصي التربية الخاصة.

يُرجِّح العلماء أخيرًا أن الخلل في الخلايا العصبية المرآتية (mirror neuron system) هو المسؤول عن كثير من الاضطرابات التي يعاني منها أطفال طيف التوحد ASD الذين لا توجد لديهم عصيبات مرآتية مقارنةً بأقرانهم. وهي خلايا في المخ تنشط في حالتين: عندما نراقب تصرفات شخص آخر، وعندما نُقلِّدها. ولذلك، تشير الأبحاث إلى مسؤولية الخلايا العصبية المرآتية عن قدرتنا على التقليد والمحاكاة، وأيًا مسؤوليتها عن العمليات الإدراكية، مثل التخيُّل، إلى جانب فهم المشاعر والعواطف والتعبير عنها، وهي من الاضطرابات الرئيسية عند طفل التوحد.

هذا العلاج يختص بتنظيم موجات المخ في دماغ الطفل التوحدي دون استخدام العقاقير؛ إذ تعمل التغذية العصبية الراجعة على تدريب الدماغ على تعديل تلك الموجات باستخدام مؤثرات بصرية تلعب في لاوعي الطفل، فالجلسة عبارة عن شاشة كمبيوتر أمام الطبيب، وشاشة أخرى أمام الطفل، تعرض ألعابًا أو مؤثرات بصرية، وبجواره الاختصاصي النفسي يحثه على الجلوس والنظر والتركيز في اللعبة التي أمامه.

تستمر اللعبة في الحركة والصوت ما دام الطفل يركز معها، وتتوقف بمجرد تشتته، وتستمر الجلسة لمدة 30 دقيقة، ويُقدِّم الجهاز في آخر الجلسة مخططًا إحصائيًّا يعرض ملخص تردد الموجات المستهدفة.

تُكرَّر الجلسات بمعدل جلستين أسبوعيًّا، ويصنع المعالج خريطة مخية بعد 20 جلسة ويقارنها بالخريطة المخية الأولى للطفل لتحديد التقدم الذي أُحرَز، وتحديد الموجات الأخرى المستهدفة لاحقًا.

وقد أظهرت النتائج نجاح العلاج به مع كثير من الأطفال؛ فقد اختُبِر الأطفال قبل التدخل بالتغذية العصبية الراجعة وبعدها في كل المجالات الاجتماعية والسلوكية واللغوية والحسية والإدراكية.

بجانب هذه العلاجات، يعتمد اختصاصيُّو التربية الخاصة على برامج تأهيلية أخرى تسهم في تطور الطفل وتدريبه على ممارسة حياته، وأيضًا مساعدة الوالدين على تقديم الدعم والإمكانات اللازمة لطفلهم التوحدي.

أشهر طرق التدخل المبكر وبرامجه:

برنامج TEACCH:

طوَّر الدكتور إريك شوبلر برنامج علاج الأطفال التوحديين ومشكلات التواصل المشابهة (تيتش) في عام 1972، وقد كان أول برنامج تربوي مختص بتعليم الأشخاص التوحديين.

تُعَدُّ أهم ركيزة للبرنامج هي تعليم الأشخاص التوحديين من خلال نقاط قوتهم، التي تكمن في إدراكهم البصري، وتعويضهم عن نقاط الضعف، مثل فهم اللغة والبيئة. ويتم ذلك من خلال تنظيم البيئة واستخدام معينات بصرية، مثل: الصور والكلمات المكتوبة. كما يهتم بتدريب المختصين والأسر ممَّن يتعاملون مع أشخاص توحديين؛ إذ تُقام دورات تدريبية لهم في جميع أنحاء العالم.

الهدف الأساسي من برنامج (تيتش) هو تجنيب الأشخاص التوحديين الدخول أو البقاء في مصحات نفسية لمعالجة الأمراض العقلية، ويتم ذلك من خلال تعليمهم مهارات لغوية واجتماعية وتحضيرهم للتعامل والتكيُّف والعمل في بيئة المنزل والمدرسة والمجتمع عمومًا.

برنامج لوفاس ABA:

الدكتور إيفار لوفاس هو دكتور نفساني وبروفسير في جامعة كاليفورينا، ابتدأ رحلته في تعليم الأشخاص التوحديين أواخر خمسينيات القرن العشرين، وقد بنى كل تجاربه على نظرية تعديل السلوك، باعتبار أن سلوك الإنسان مكتسب وظاهر وقابل للقياس، كما تحكمه ضوابط تحدث قبل السلوك أو بعده. وبناًء على هذا، بإمكاننا التحكم في الأحداث التي تثير السلوك بواسطة ردة فعلنا على ما يحدث بعد أن يصدر الفرد سلوكًا ما، فهذا من شأنه أن يوثر في نسبة ظهور ذلك السلوك أو اختفائه.

فالسلوك الذي يتبعه شيء أو حدث مُحبَّب إلى الشخص يزداد ظهوره، بينما تنخفض نسبة حدوث السلوك الذي تتبعه عواقب سيئة. وتُسمَّى هذه الطريقة بتعزيز السلوك سلبًا أو إيجابًا.

كما أضاف لوفاس عدة عناصر إلى برنامجه التدريبي وعدَّها أساس نجاح البرنامج، وهذه العناصر هي: التدريب المكثف ( 40 ساعة أسبوعيًّا)، مشاركة الأسرة، التدريب المبكر، منهج تسلسلي من الأسهل إلى الأصعب، عدم قبول الأطفال الذين تزيد سنهم على 6-7 سنين أو يقل مستوى ذكائهم عن 40-50.

وأهم المجالات التي يركز عليها لوفاس: (الانتباه – التقليد – لغة الاستقبال – لغة التعبير – ما قبل الأكاديمي – الاعتماد على النفس).

ومع تقدم الطفل وتطور قدراته، تزداد صعوبة الأهداف لكل مجال من المجالات السابقة، وتُضاف إليها أهداف أخرى للمجالات الاجتماعية والأكاديمية والتحضير لدخول المدرسة.

برنامج سن رايز SON-RISE :

طوِّر برنامج سن رايز على يد باري نيل كوفمان وساماهريا لايت كوفمان، اللذين شُخِّص ابنهما رون بالتوحد والتأخر العقلي الشديد، بالإضافة إلى أنه كان على درجة مرتفعة من الانعزال ولم يكن يتكلم إطلاقًا، ومن ثمَّ كان تقدمه أمرًا ميؤوسًا منه كما قال الأطباء للوالدين كوفمان.

لم يصدق الوالدان ما قاله الأطباء، وشرعا في تعليم رون بأنفسهم لمدة 12 ساعة يوميًّا لسبعة أيام في الأسبوع على مدار السنة.

نُشِر كتاب سن رايز في عام 1976، وحوِّل إلى فيلم بعنوان “Son-Rise: A Miracle of Love” في عام 1979، ويروي برنامجهم خلال الثلاث سنوات مع ابنهم رون، علاوةً على تحديثات لتطور الصبي حتى سن العشرين عامًا.

يعتمد هذا البرنامج على قضاء أفراد الأسرة أو المتطوعين أو المختصين ساعات طويلة في تقليد حركات الطفل التوحدي والدخول إلى عالمه الخاص، مما ينمي لديه الشعور بالحب والقبول والرضا، حتى يُظهر الإشارات الاجتماعية للمشاركة الطوعية. ثم يُشجَّع على الأنشطة الاجتماعية الأكثر تعقيدًا بطريقة غير قسرية، مثل تعلم اللغة والتواصل والإدراك والحركة وغيرها.

يعتقد الأبوان كوفمان أن موقف الأسرة تجاه طفلها يؤثر بدرجة كبيرة في تقدم الطفل؛ إذ يضع البرنامج الوالدين كمعلمين، ومعالجين وموجهين رئيسيين لبرامجهم، ويُستخدَم المنزل كأكثر بيئة طبيعية تتم فيها مساعدة أطفالهم.

من المهم معرفة أن برنامج تدخل واحدًا قد لا يصلح لكل طفل، وما يصلح لطفل في فترة من الوقت قد يتوقف مفعوله في أي لحظة، ومع أن الأبحاث والدراسات قد تطورت، إلا أن التوحد يظل اضطرابًا معقدًا يؤثر في كل طفل بشكل مختلف.

في النهاية، نستعين بالمبدأ الأساسي في برنامج سن رايس، الذي يعتمد على تقبل كل أسرة لطفلها ومحاولة الدخول إلى عالمه الخاص بدلًا من السير في اتجاه معاكس؛ فطمأنة الطفل وتقبُّله هما أساس التأهيل الصحيح.

خالص الحب والتقدير والدعم للتوحديين وأسرهم حول العالم، وكل الأمنيات الطيبة أن يطور الباحثون والعلماء دراساتهم بشأن هذا الاضطراب بما يُسهِّل علاجه أو التعامل معه والتخفيف من معاناة ذويه.

[1] د. دينا الإسكندراني: اختصاصي نفسي إكلينيكي بالإسكندرية، حاصلة على درجة الدكتوراه في علم النفس العصبي من جامعة عين شمس، مصر.

تدقيق وتحرير: أ.أحمد مدرة|| مصر.