اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder (ASD

المفهوم والأعراض

في عام 1934، نشر ليو كانر leo kanner دراسةً شملت 11 طفلًا وصفهم فيها بأنهم يتميزون بأنواع مختلفة من السلوك لا تتشابه مع أي اضطرابات عُرِفت آنذاك، واقترح لها تشخيصًا جديدًا ومنفصلًا أطلق عليه مصطلح «التوحد الطفولي»، ومنذ ذلك الحين تعدَّدت الدراسات والأبحاث وكثرت النقاشات بشأن هذا الاضطراب.

وفي هذا السياق، سننشر مجموعة مقالات تتعرَّض للتوحد بدايةً من المفهوم والأعراض والأسباب، مرورًا بالتشخيص والنظريات المفسرة له، وأيضًا التشخيصات الفارقة بين التوحد وبعض الإعاقات والاضطرابات الأخرى، وصولًا إلى أشهر برامج التدخُّل العلاجي أو التأهيلي المُتَّبَعة، سنحاول من خلالها مساعدة المعنيِّين بهذا الاضطراب، سواءً كانوا الأهل أو التربويين أو حتى الشغوفين بالقراءة عنه، قاصدين بها التعريف به وإجابة كل التساؤلات عنه.

مفهوم التوحد:

التوحد، أو «الذاتوية» كما يفضل بعض الباحثين والعاملين في مجال التربية الخاصة تسميته، على اعتبار أن التوحد يكون فيه الشخص متوحدًا مع شيء، أما الذاتوية فهي أدق؛ لأنَّ الشخص يكون متوحدًا مع ذاته. هذا من حيث المُسمَّى، أما من حيث التعريف فهو اضطراب في النمو العصبي يؤثر على التطور في ثلاثة مجالات أساسية:

– التواصل (تأخر وانحراف ملحوظان في اللغة والقدرة على استخدامها مع الآخرين وفهم الجانب الاجتماعي لها)

– المهارات الاجتماعية (تأخر وانحراف شديدان في النمو الاجتماعي، خصوصًا فيما يتعلق بالعلاقات الشخصية)

– التخيُّل (غياب المرونة في التفكير والسلوك وفقدان القدرة على التخيُّل / سلوكيات متكررة واعتماد على الروتين مع تأخر شديد أو انعدام القدرة على اللعب التخيُّلي).

ووفقًا لتعريف الجمعية الأمريكية للطب النفسي «هو أحد اضطرابات النمو الشاملة التي تظهر فجأةً في عمر 30 إلى 36 شهرًا، وتُحدث تدهورًا في التواصل الاجتماعي واللغة، مع ظهور قصور واضح في الاهتمامات والأنشطة والتقيُّد والتكرارية في السلوك … وينتشر التوحد بين البنين أكثر من البنات بنسبة 4:1، كما ينتشر عالميًّا بنسبة واحدة: 15 لكلِّ 10 آلاف طفل».

وبحسب منظمة الصحة العالمية، تشير التقديرات إلى معاناة طفل واحد من كل 160 طفلًا في العالم من اضطراب طيف التوحد. وتمثل هذه التقديرات رقمًا متوسطًا؛ فمعدل الانتشار المُبلَّغ عنه يتفاوت تفاوتًا واسعًا بين الدراسات. ومع ذلك، أفادت بعض الدراسات المضبوطة جيدًا بمعدلات أعلى بكثير، وما زال معدل انتشار اضطرابات طيف التوحد غير معروف في عدد من البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط.[1]

الأعراض:

عادةً، لا يمكن ملاحظة التوحد بوضوح حتى سن 24 – 30 شهرًا، أي في مرحلة الطفولة المبكرة، حينما يلاحظ الوالدان تغيرات سلوكية، مثل ضعف التواصل البصري أو انعدامه، وعدم استجابة الطفل عند مناداتهما له، أو تأخر في اللغة أو اللعب أو التفاعل الاجتماعي، ومن المُرجَّح أن يكون لكل طفل من الأطفال المصابين نمطٌ فريدٌ من السلوك ومستوًى متباينٌ في الخطورة أو الشدة.

لكن الأعراض غالبًا ما تكون واضحة في الجوانب التالية:

  • التواصل:

الطفل التوحدي يعاني خللًا في التركيز والانتباه والتواصل البصري واللغوي؛ إذ إن التطور اللغوي قد يكون بطيئًا وقد يكون منعدمًا تمامًا؛ فهناك توحدي غير ناطق، وتوحدي ناطق لكنه يستخدم الكلمات بمعانٍ غير مألوفة، أو يكون التواصل عن طريق الإشارات بدلًا من الكلمات، ناهيك عن الخطأ في استخدام الضمائر وعدم القدرة على تكوين جمل صحيحة، وقد يقوم بالتكرار أو «المُصاداة» “echolalia” نتيجة عدم فهمه للغة؛ فعند سؤاله «ما اسمك؟» يردُّ «ما اسمك؟»، وهكذا.

  • التفاعل الاجتماعي: 

ضعف في العلاقات الاجتماعية وعدم القدرة على التعبير عن مشاعره وعواطفه، وخلل في إدراك مشاعر الآخرين والتفاعل معهم، أو التفاعل على نحو غير ملائم، كأن يكون عدوانيًّا أو مُتبلِّدًا أو مُخرِّبًا، ولا يستمتع بوجود الآخرين، حتى الأطفال ممَّن هم في مثل عمره لا يشاركهم الاهتمامات أو اللعب.

  • المشكلات الحسية:

الطفل التوحدي يعاني خللًا حسيًّا؛ فاستجابته غير معتادة للأحاسيس الجسدية، وقد يكون حسَّاسًا بصورة غير عادية تجاه الضوء والصوت واللمس، وعلى الرغم من ذلك لا يبالي بالألم أو الحرارة.

  • السلوك:

قد يكون نشِطًا أكثر من المعتاد أو تكون حركته أقل من المعتاد، ويقوم بحركات متكررة، مثل التأرجح أو الدوران أو رفرفة اليدين، مع وجود نوبات من السلوك غير السويّ (كأن يضرب رأسه بالحائط) دون سبب واضح، وقد يُصِرُّ على الاحتفاظ بشيء ما أو التفكير في فكرة بعينها أو الارتباط بشخص واحد بعينه.

  • اللعب:

لدى الطفل التوحدي نقص في اللعب التلقائي أو الابتكاري أو التخيُّلي، كما أنه لا يُقلِّد حركات الآخرين، وقد ينبهر بجسم ما أو نشاط ما بحماسة أو تركيز غير طبيعيَّين.

  • الأكل والشرب والنوم:

لديه اضطراب في الأكل والشرب والنوم، مثل تناول أنواع قليلة من الأطعمة ورفض تناول بعض الأطعمة ذات الملمس المعين، أو شرب السوائل بكثرة، والاستيقاظ ليلًا مصطحبًا ذلك بهزِّ الرأس وأرجحتها أو خبطها.

  • اضطراب الوجدان:

يكون لديه تقلب وجداني، كالضحك والبكاء دون سبب واضح، أو إعطاء استجابة مغايرة، كأن يضحك إذا وقع أو أُصيب، وأيضًا نقص الخوف من مخاطر حقيقية والخوف المفرط من الأشياء أو الأمور التي قد تبدو عادية، كما أنه شخص نمطي جدًّا ينزعج حدَّ الهلع عند حدوث أدنى تغيير في عاداته اليومية.

وللمزيد عن التوحد، تابعونا في المقالات المقبلة لتتضح الرؤية أكثر.

خالص الحب والتقدير.

[1] اضطرابات طيف التوحد، موقع منظمة الصحة العالمية، نوفمبر2019. https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/autism-spectrum-disorders
تدقيق وتحرير: أ. أحمد مدره|| مصر.