اضطراب طيف التوحد    (Disorder (ASD Autism Spectrum

ذكرنا في المقال السابق مفهوم اضطراب طيف التوحد وأهم الأعراض التي تظهر على المصابين به، وفي هذا المقال نستعرض الأسباب التي يُعتقَد أنها تؤدي إلى الإصابة به والنظريات التي حاولت تفسيره.

الأسباب:

حاولت دراسات عدة الوصول إلى أسباب إصابة الأطفال باضطراب طيف التوحد منذ اكتشافه وحتى الآن، لكن هذه الدراسات لا تتعدى كونها مجرد اجتهادات لبعض الباحثين، وفيما يلي بعض هذه العوامل والأسباب:

(1) العوامل البيولوجية:

يعتقد بعض الباحثين أن للعوامل البيولوجية دورًا في حدوث التوحد؛ إذ إن مرض الأم قد يؤثر في نمو الطفل، فإصابة الأم بالحصبة الألمانية أو الاختناق خلال الولادة أو التهاب الدماغ، كلها تسبب اختلالات أو تلفًا للدماغ قبل الولادة أو في أثنائها أو بعدها، وتؤدي إلى حدوث الاضطراب.

وقد تسبب الرضاعة غير الآمنة (تناول الأدوية خلال فترة الرضاعة مثلًا) خللًا فى الكيمياء الخاصة بجينات الجسم والجهاز العصبي، وظهور المرض فى سن مبكرة وانتشاره بين الذكور أكثر من الإناث ووجود مضاعفات الحمل والولادة فى تاريخ هؤلاء الأطفال يرجع إلى العامل العضوي.

كما يُعَدُّ التلوث البيئي وتسمُّم المعادن الثقيلة الناتج عن استنشاق الطفل المولود في بيئة صناعية لكميات من الرصاص والزئبق سببين رئيسيين ومحوريين في الإصابة.

(2) العوامل الجينية:

منذ تسعينيات القرن الماضي، رجَّح الباحثون العوامل الجينية عن غيرها كسبب للإصابة، لكن نتائج الأبحاث التي أُجريت لم تتعرف على الجين المسبب للتوحد، وما إذا كان جينًا واحدًا فقط أو عدة جينات، وهل هذه الجينات توجد في كروموسوم واحد أم تتوزع عدة كروموسومات.

ألقت الدراسات ضوءًا أكثر على الأسرة والتوائم في موضوع الوراثة؛ إذ وُجِد أن قرابة 2% من الأسر لها طفلان متوحدان، وهو أكثر من احتمال الصدفة حتى بالتقديرات المنخفضة. كما اتضح من دراسة التوائم حدوث التوحد أكثر في التوأمين المتطابقين عنه في التوأمين غير المتماثلين.

كما أن وجود تاريخ من المرض الذهني لدى أحد الأبوين قد يزيد من خطر الإصابة باضطراب طيف التوحد.

(3) اختلال وظيفة الجهاز العصبي:

للأطفال التوحديين نسب عالية من النوبات المرضية التى تزداد في الظهور عند البلوغ، وبعضها يوضح علامات عصابية، مثل الاختلال الحركي، وقد لوحظ أن 25% أو أكثر من حالات اضطراب الذاتوية يوجد لديهم تاريخ لنوبة صرع أو أكثر، وذلك نتيجة لشذوذات متفاوتة لتخطيط الدماغ الكهربائي.

(4) خلل الإدراك:

تُرجع بعض الدراسات السبب إلى الخلل الحادث للإدراك وعدم القدرة على تنظيم الاستقبال الحسي، مما يحول وقدرة الطفل على تكوين أفكار مترابطة وذات معنى عن البيئة من حوله، ويحد من قدرته على التعلم والتكيف معها، فينعزل وينغلق على ذاته. أو أن يكون لديهم خللًا فى الإدراك السمعي لدرجة يظن معها الوالدان أن طفلهما أصم، وفي هذا الحالة يكون هناك اضطراب عميق في تكامل الإدراك وبنائه، حيث لا يصل المتوحد إلى حالة من الوعي المنسجم مع المعاني والدلالات؛ فنمط التوحد يمثل اضطرابًا معرفيًّا يُعَدُّ هو المسؤول عن الاضطراب العام في النمو العقلي.

 (5) العوامل النفسية والأسرية:

اعتمدت التفسيرات الأولى لاضطراب طيف التوحد على العوامل النفسية والتربية السلبية من قبل الأبوين، خصوصًا نقص الارتباط العاطفي وجمود عواطفهم تجاه الطفل، لكن هذه التفسيرات لم تأتِ بدليل أو سند علمي واضح، لذا استُبعِدت، كونها لم تفسر السبب في عدم إصابة بقية أطفال الأسرة بالتوحد، بالإضافة إلى أن هناك آباء وأمهات لا يتسمون بالجمود أو البرود العاطفي ومع ذلك لديهم أطفال توحديون.

وعلى هذا، بات من المؤكد أن التوحد ليس ذا منشأ نفسي؛ فهو يظهر في أسر ذات سلوكيات طبيعية، كما أنه لا ينتهي بتغيير المحيط أو بتناول علاجات طبية نفسية واجتماعية، وأيضًا لا توجد أي سمات ثقافية أو اجتماعية مميزة لفئات آباء الأطفال التوحديين، لكن -في المقابل- قد يستشعر هؤلاء صعوبات ثانوية خلال مراحل نمو طفلهم، مثل الاكتئاب والندم وأزمات أسرية وصعوبات في تعليم إخوة المتوحد وتربيتهم.

أما بخصوص النظريات المفسرة لاضطراب طيف التوحد فقد تعددت منذ اكتشافه وحتى الآن، وكل نظرية يُعمَل بها فترة معينة إلى أن يتم نقدها نظرًا إلى قصورها أو إثبات خطئها، أو لظهور تفسيرات أكثر منها دقة، ومثال على ذلك:

نظرية الاضطراب الأيضي:

وتفترض هذه النظرية أن تكون الذاتوية ناتجة عن وجود بيبتايد[1] خارجي المنشأ (من الغذاء) يؤثر في النقل العصبي داخل الجهاز العصبي المركزي، سواء كان تأثيرًا مباشرًا أو من خلال التأثير في تلك الموجودة والفاعلة في الجهاز العصبي مما يؤدي إلى اضطراب في العمليات الداخلية. هذه المواد (Peptides) تتكون عند حدوث التحلل غير الكامل لبعض الأغذية المحتوية على الجلوتين، كالقمح والشعير والشوفان، أو الكازين الموجود في الحليب ومنتجات الألبان.

لكن هذه النظرية نُقِدت أيضًا نظرًا إلى وجود كثير من الأشخاص الذين لا تتحلل لديهم هذه المواد بالكامل لكنهم لم يُصابوا بالذاتوية؛ ومن ثم ظهرت تفسيرات أخرى تقول إن الطفل الذاتوي عنده مشكلات في الجهاز العصبي تسمح بمرور تلك المواد إلى المخ بما يجعلها تؤثر في الدماغ فتحدث الذاتوية.

وغيرها الكثير من النظريات، سواء السيكولوجية أو البيولوجية أو البيوكيميائية ونظرية العقل وغيرها، إلى أن ظهرت نظرية حديثة تُسمَّى نظرية الاتصال العصبي، وهي لم تُنقَد إلى الآن.

تُعَدُّ هذه النظرية نموذجًا مُطوَّرًا للتفسيرين البيولوجي والعصبي لسمات الذاتوية؛ فقد حُدِّدت أنماط مختلفة من الاتصال المفرط والاتصال الناقص لدى الأطفال الذاتويين باستخدام جهاز رسم المخ الكمي (QEEG)، الذي يحدد بدوره أنماطًا داخلية للظاهرة.

جهاز (QEEG) يشير إلى التخطيط الكهربائي الكمي للدماغ “Quantitative Electroencephalography (QEEG)”، وهو تحليل رقمي للتخطيط الكهربائي التقليدي للدماغ ((EEG، ويُطلَق عليه أحيانًا «خرائط الدماغ»؛ إذ إن خرائط الدماغ (QEEG) هي امتداد لتحليل تفسير (EEG) التقليدي، الذي يساعد فهمنا لتخطيط الدماغ العادي (EEG)، ومن ثم تحليل وظائف الدماغ المختلفة بدقة وبصورة متطورة جدًّا؛ فالدماغ البشري يحتوي على عدة فصوص رئيسية، وهي: الفصوص الأمامية (الجبهية)، والفصوص القذالية (الخلفية)، والفصوص الصدغية، والفصوص الجدارية. وما يميز هذه الفصوص هو الانفرادية التامة في أداء الوظائف الجسمية؛ فكل فصٍّ يلعب دورًا مستقلًّا عن الآخر ويكمله. وتحتوي الدماغ على نسبة من الشحنات الكهربائية التي تنتقل عبر النواقل العصبية في الدماغ، وفي بعض الأحيان يحدث اضطراب أو عدم انتظام في كهرباء الدماغ لأسباب مختلفة، وهذا الاضطراب يتمثل في زيادة الشحنات الكهربائية التي تؤثر في عمل المخ أو نقصانها بالطبع. ومن خلال الخرائط الذهنية الدقيقة، التي يعطيها رسم المخ الكمي، يُكتشَف موضع الشذوذ الكهربي أو نوعه في أي من هذه الفصوص والخلل الحادث بها، مما يسهل علاجها.

في عام 2014، حدد ليندن ومايرز عدد الأنواع الفرعية للذاتوية لتشمل 6 أنواع محددة:

  • رسم المخ المرضي: يحدث الخلل في الفص الصدغي الأيسر المسؤول عن اللغة والتخاطب، وينتشر بين 40% من الذاتويين.
  • نمط (U): ضعف في العصيبات المرآتية، مما يعطل عمليات التقليد، ويحدث في الفصوص الصدغية، وينتشر في 70% من الذاتويين.
  • نمط هاي بيتا (high beta): يحدث في الفصوص القذالية؛ فيحدث خلل حسي، وينتشر في 70% من الذاتويين، ويحدث هذا النمط لأطفال (D.H.D) أيضًا.
  • نمط عدم انتظام الاتصال: أي عدم انتظام التناغم أو الترابط بين فصوص المخ؛ فيحدث للذاتويين فرط اتصال بين الفصوص الأمامية والفص الصدغي الأيسر، وفي الوقت نفسه يحدث نقص اتصال بين الفص الجداري والنصف الكروي الأيسر، ويصاحبه تأخر عقلي.

وفي بعض الأطفال، يحدث الاتصال المرتفع بين الفصوص الأمامية والمنطقة الحزامية في المخ، ويحدث أيضًا لمرضى الوسواس القهري.

وعند نقص الاتصال بين الفصَّين الصدغيَّين الأيمن والأيسر، يعاني الطفل من عجز اجتماعي، وقد يحدث هذا النمط أيضًا لأطفال (A.D.H.D)، لكنه نادر في هذه الحالة.

  • نمط دلتا ثيتا: يحدث في الفصوص الأمامية، ويظهر في صورة النشاط الزائد والسلوكيات الاندفاعية ونقص الانتباه، ويحدث هذا النمط لأطفال (D.H.D)، ومعدل انتشاره 30%.
  • نمط رسم المنخفض جدًّا: تحدث اعتلالات دماغية في بؤر منشرة بالمخ، وهو نمط بيولوجي نادر لا يتعدَّى انتشاره 10%، وهو مرتبط بأسباب سمية أو أيضية تتعلق بتأثيرات البيئة، مثل التلوث بالمبيدات الحشرية، أو الزئبق الموجود في المصل أو اللقاح، وغيرها، وقد يحدث أيضًا لأطفال (D.H.D).

هذه النظرية هي الأحدث في تفسير الذاتوية، ويُحدَّد من خلالها نمط الخلل أو منطقة حوثة، ومن ثم علاجه من خلال جهاز يُسمَّى النيوروفيد باك “Neurofeedback”، وهي تقنية حديثة تُستخدَم ليس فقط في علاج الكثير من الأمراض النفسية والعصبية، وإنما في تحسين القدرات الذهنية والمعرفية للحالة أيضًا، ويكون العلاج به إلى جانب برامج التأهيل التي يقدمها اختصاصي التربية الخاصة، وسنوضح ذلك عند عرض أشهر برامج التدخل العلاجي والتأهيلي لاحقًا.

[1] البيبتايد هو سلسلة أحماض أمينية..

يتضح من العرض السابق أن كل هذه الأسباب والنظريات لم تضع تفسيرًا محددًا ودقيقًا بنسبة 100% لهذا الاضطراب، لكنها -كما أوضحنا- مجرد محاولات اجتهد فيها العلماء، ونأمل أن تتطور أكثر في القريب العاجل بما يسمح لنا بتقليل نسب الإصابة وزيادة فرص التعافي منه إن شاء الله. كل الحب والدعم الكامل والأمنيات بالشفاء لأصحاب اضطراب طيف التوحد.

تدقيق: أ. أحمد مدرة|| مصر