على الرغم من تعدُّد أشكال التواصل بين البشر؛ كالإيماءات والإشارات والرسوم وغيرها من أشكال التفاعل والتفاهم التي تُمكِّنهم من التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم واحتياجاتهم، تبقى اللغة اللفظية أو الكلام المنطوق أفضل أشكال التواصل وأكثرها فاعلية. لذا، فإن أي اضطراب أو خلل في اللغة اللفظية سيعوق حركة الاتصال والتفاعل بين الناس، وقد يسبب أيضًا اضطرابات في الشخصية، مثل الانطواء والقلق والإحباط والشعور بالدونية وغيرها. وتشمل اضطرابات اللغة اللفظية عدة أنواع، من بينها:
  • خلل في التلفُّظ والنطق (articulation disorder)، مثل مشكلات الحذف والإبدال والإضافة والتحريف أو تشويه الأصوات.
  • خلل في الصوت (voice disorder)، وهو خاص بالحنجرة ومشكلات طبقة الصوت وشدته ونوعيته ورنينه.
  • خلل في الطلاقة الطبيعية وتدفُّق الكلام (fluency disorder)، ويشمل اللجلجة أو الثأثأة أو التلعثم (stuttering)، وأيضًا سرعة التحدث (cluttering).

أولًا: اللجلجة أو التلعثم أو الثأثأة (stuttering)

هي عدم قدرة الفرد على إتمام عملية الكلام على الوجه الأمثل؛ فهي اضطراب يؤثر في طلاقة الكلام؛ إذ يتميز نمط الكلام بالإطالة الزائدة، أو تكرار الأصوات والمقاطع، أو التمزق، فيبدو المتكلم كما لو أنه يختنق وهو يجاهد لإخراج الكلمات من فمه.

وتتضمن علامات التلعثم وأعراضه ما يلي:
  • التكرارات (repetation): سواء تكرار صوت مثل “أأأأمشي”، أو تكرار مقطع مثل “بس بس بس بسكويت”، أو تكرار كلمة مثل “أنا أنا أنا اشتريت”، أو تكرار تركيب مثل “أنا شايف أنا شايف أنا شايف كويس”.
  • الإطالات (prolongations): يطول نطق الصوت لفترة أطول، خصوصًا في الحروف المتحركة.
  • التوقفات الكلامية (blockages): الصمت بين بعض المقاطع أو الكلمات، أو التوقف في أثناء نطق الكلمة، والعجز عن النطق رغم المجهود الذي يبذله المتكلم، وقد يصاحبها توتر وارتعاش.

كما توجد أعراض ثانوية، مثل:

  • إضافة كلمة مثل “امم” في حالة صعوبة الانتقال إلى الكلمة التالية
  • فرط توتر الوجه أو الجزء العلوي من الجسم لإخراج كلمة، أو فرط تيبُّسهما أو حركتهما نتيجة القلق من الكلام. وقد تحدث أيضًا رعشة للشفتين أو للفك أو للسان، أو يطرف الجفنان سريعًا.

الأسباب:

تُرجع بعض التفسيرات هذا الاضطراب إلى عوامل وراثية؛ إذ توجد بين أكثر من جيل في الأسرة الواحدة، كما أنها توجد في الذكور أكثر من الإناث، وفي التوائم المتماثلة بنسبة أعلى. لكنَّ الدراسات أثبتت أنه لا يوجد جين معين مسؤول عن حدوثها، وليس في قوانين مندل للوراثة ما يؤكد هذا التفسير. إلا أن التقليد قد يكون المُفسِّر لحدوث التلعثم في أكثر من شخص بالأسرة الواحدة، وخصوصًا الأطفال.

أما عن التفسيرات النفسية والعصبية، فيرى العلماء أن المجهودات، التي يبذلها الشخص المتلعثم، والقلق والخوف، اللذين يصاحبان استعداده لبدء الحديث، هم المثير والباعث على حدوث التلعثم؛ إذ يحدث بداخله صراع قد يكون مرتبطًا بكلمة أو موقف أو مكان معين أو أشخاص قد يشعر أمامهم بالعجز الذي يحول بينه وبين طلاقة لسانه.

كما توجد بعض التفسيرات البيئية والاجتماعية التي ترى أن بيئة الطفل ومحيطه، اللذين ينشأ فيهما، وما يتعرض له من ضغوط، قد تؤثر جميعها في قدراته اللغوية، حتى لو لم تكن السبب في حدوث التلعثم من البداية، لكنها تُسهِم في الاستمرار به وتطوُّره من المراحل الأولية إلى التلعثم الحقيقي. ففي حال كانت البيئة المحيطة بالطفل غير آمنة ويتعرض فيها إلى الصدمات المفاجئة أو المواقف المخيفة -كالصراخ الدائم بين الوالدين وضرب أحدهما للآخر، أو عقاب الطفل بشكل مؤذٍ جسديًّا، أو تصحيح الوالدين لعيوب النطق والتعليق عليه باستمرار- قد يؤدي ذلك إلى إصابته بالإحباط وبالقلق الدائم من الفشل في الكلام، أو أن يطلب الوالدان من الطفل أن يروي قصة أو يحكي موقفًا أمام جمع من الغرباء أو في حفلة مدرسية، وقد يؤدي تعرضه إلى المدح أو السخرية من جراء ذلك إلى إصابته بالتلعثم.

العلاج:

في غالب الحالات، التي نراها كاختصاصيِّي علاج النطق، يكون العامل النفسي السبب الرئيسي للإصابة، ومن ثَمَّ، لا بد من التأكيد على ضرورة استشارة طبيب أو اختصاصي نفسي في أثناء التقييم ووضع برنامج العمل مع المتلعثم، لإزالة كل الأسباب التي من شأنها التأثير في حالته النفسية، التي ستؤثر بالتبعية في برنامج عمل اختصاصي النطق، لأنه -بطبيعة الحال- لا يزول العرض إلا بزوال السبب.

بعد ذلك، يبدأ برنامج العلاج بتطوير مهارات تواصلية فعالة، والتشجيع على المشاركة في حوارات محببة له ومع شخصيات يرتاح للحديث معها، ثم دفعه للمشاركة في بيئات اجتماعية مختلفة. وقد يحتاج البعض إلى عمل تدريبات استرخاء أو تدريبات تنفس لإطالة النفس وللتخفيف من حدة التشنج الذي يحدث لأجهزة النطق خلال محاولة الكلام.

يمكن الاستعانة أيضًا بتطبيقات إلكترونية، مثل (delayed auditory feedback) الخاص بالارتجاع السمعي الآجل، لتحسين القدرة على التحدث بسلاسة، فهو يُجبر المتحدث على الإبطاء من سرعة كلامه كي يستمع لنفسه.

ثانيًا: سرعة التحدث (cluttering)

هي أيضًا خلل في طلاقة الكلام، فيحدث تدافع وتداخل وسرعة غير عادية في أثناء التحدث، إلى درجة أن المستمع لا يفهم من المتحدث إلا كلمات بسيطة، وقد يبدو منه أن الشخص المتكلم غير واثق مما يقوله، لكن ليست لديه صعوبة في البدء بالكلام مثل المتلعثم، وغالبًا لا تصاحبها أي أعراض جانبية جسدية، مثل رمش الجفن وغيرها. لا تشكل سرعة التحدث عبئًا أو أزمة مثل التلعثم، وغالبًا لا يلتفت إليها أو يعلق عليها أحد مثلما الحال مع المتلعثم، ومن ثَمَّ، لا يتجه الشخص إلى العلاج إلا إن كان يرغب في الالتحاق بوظيفة معينة تتطلب منه الكلام بطلاقة طبيعية.

ويكون العلاج بتدريبه على جمل قصيرة ومترابطة، مع المبالغة في الإطالة ومد مقاطع أو كلمات معينة، وأيضًا التدريب من خلال تطبيق (delayed auditory feedback) الذي يُجبره على التحدث ببطء.

في النهاية، نؤكد على أنه -في علاج طلاقة الكلام- لا بد من أن يكون الشخص مقتنعًا أن لديه مشكلة ويرغب في علاجها بكل جدية، ويكون لديه حافز ودافع قويان ليتدرَّب بانتظام، كما أن مراعاة المحيطين به لحالته النفسية مهمة جدًّا لتحقيق نتائج أفضل إن شاء الله.