في كثير من الأحيان، يواجه الوالدان والعائلة سلوكيات سيئة في أبنائهم لا يستطيعون تغييرها أو حاولوا تغييرها كثيرًا وفشلوا في ذلك، نتيجة عشوائية المعالجة أو عدم فهم دوافع هذا السلوك غير المرغوب وكيفية علاجه؛ وبعد محاولات كثيرة من التعزيز تارةً والعقاب تارةً أخرى، يلجأ الوالدان إلى اختصاصي يرشدهما إلى طريق المعالجة الصحيحة.

كثير من هذه السلوكيات، التي يقوم بها الطفل، تأتي عن طريق النمذجة أو تقليد أحد الوالدين، كالعصبية والصراخ مثلًا، أو عن طريق المحاولة والخطأ؛ إذ يفعل الطفل سلوكًا ما يقابله استحسان من أحد المحيطين فيُكرِّره حتى يعتاده، وما إلى ذلك من أسباب ودوافع لا بد من أن ندركها عند محاولة تعديل سلوكيات الطفل، واضعين في الاعتبار أنه لزوال العرض لا بد من زوال السبب.

مع الأطفال في جيل ما قبل المراهقة، يقوم الاختصاصي بعمل جلسات إرشاد أسري للوالدين، بالإضافة إلى خطة سلوكية، وليس جلسات مباشرة مع الطفل، لأن الطفل في الجلسات سيحاول مهادنة الاختصاصي خلال الجلسة والاستماع له وإظهار السلوك الحسن والاستجابة للتعليمات، ثم يعود إلى المنزل ويمارس مع والديه السلوك غير المرغوب مرة أخرى.

في حال كانت للابن سلوكيات عديدة يرغب الوالدان في تعديلها، يرشدهما الاختصاصي إلى ضرورة استهداف سلوك واحد فقط وتجاهل بقية السلوكيات، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة البدء بالسلوك الأكثر إيذاءً وخطورةً عليه وعلى المحيطين، مثل العض أو تكسير الأشياء.

في أثناء تعديل السلوك، لا بد من أن ينتبه الوالدان إلى انتقاء الكلام؛ فلا يجوز أن تقول الأم لطفلها: «أنا لا أحبك لأنك تقوم بهذا السلوك، أنت شخص سيئ وغبي، أنت لست ابني، فلان أحسن منك، أخوك أفضل، وغيرها»، بل تقول مثلًا: «أنا أحب أن تكون أفضل حالًا من ذلك، أنا أريدك أن تفعل الأشياء الطيبة مثلك، وهكذا»؛ فهذه الكلمات تشكل فارقًا كبيرًا في تحفيز الطفل على الإتيان بالسلوك المرغوب دون أن يقابل ذلك بالعناد.

استراتيجيات أو أساليب تعديل السلوك:

  • الإطفاء:

عن طريق تجاهل السلوك تمامًا، خصوصًا لو كان الطفل يقوم به بهدف استفزاز المحيطين وإثارة غضبهم. في البداية سيزيد السلوك، لكن تدريجيًّا سوف ينطفئ ويتلاشى.

  • التدعيم الفارق أو العكسي:

عن طريق مكافأته على عدم فعل السلوك، كأن أكافئه عندما يرتب غرفته مثلًا، أو عندما لا يقوم بمص إصبعه، أو عندما لا يبصق على الآخرين، وليس من الضروري أن تكون مكافأة مادية، فالقبلة والاحتضان واللعب مع الطفل قد تلقى استحسانًا لديه وتحفزه أكثر من الهدايا المادية.

  • منع حدوث السلوك:

من خلال الملاحظة ومعرفة المثير المسبب للسلوك وتسجيل ذلك، سيكون من السهل على الأم أن تزيل الارتباط الشرطي بين المثير والاستجابة السلوكية السيئة؛ فالطفل الذي يصرخ في أثناء ركوب المواصلات مثلًا نكلفه بأداء مهمة معينة تشتت انتباهه طوال هذه المدة، مثل تركيب البازل أو اللعب المشترك بالصلصال أو قراءة قصة.

  • الإشباع:

تشجيعه على القيام بالسلوك بطريقة مبالغ فيها، كأن نقول له «ابكِ أكثر»، وذلك أيضًا عندما يكون الهدف من سلوكه العناد أو لفت الانتباه أو استفزاز المحيطين.

  • التعاقد (المقايضة)

أي الاتفاق بين الوالدين والطفل أنه عند القيام بالسلوك المرغوب ستكون هناك مكافأة ما، على ألَّا يكون ذلك على المدى الطويل حتى لا يتحول إلى طفل مرتشٍ.

  • العقاب:

وهو آخر الأساليب التي نلجأ إليها عند تعديل السلوك بعد أن نُجرِّب الأساليب السابقة ونفشل، ولا يكون عقابًا جسديًّا أبدًا إلا في الضرورة القُصوى، ويكون من خلال:

  • التوبيخ: بكلمات مختصرة وثابتة وواضحة للطفل، مع الإشارة والتمثيل عند الكلام مثل: عض لأ.. بصق لأ.. وهكذا، ويُراعى ألَّا يكون ذلك أمام أحد.
  • العزل المؤقت: عن طريق حرمانه من شيء يرغب فيه أو نشاط معين، ووضعه على كرسي منعزل أو في غرفة منفصلة لا توجد بها مثيرات، مع توجيه اللوم في أثناء العزل بصوت هادئ، فيهدأ الطفل ويكف عن البكاء أو الصراخ ويستمع للحديث رغبةً منه في معرفة ما يُقال له حتى يعرف متى سينتهي عقابه ويخرج، وتكون مدة العزل دقيقة لكل سنة، أي ثلاث دقائق لو كان عمر الطفل ثلاث سنوات، وهكذا.
  • تكلفة السلوك والتصحيح المبالغ فيه: أي زيادة السلوك التخريبي الذي قام به الطفل وإجباره على تصحيحه؛ فمثلًا إذا بعثر الطفل أدواته أو مكعباته نقوم ببعثرة ما تبقى ونجبره على جمعها.
  • التقييد المختصر: في حالة الغضب وإيذاء ذاته أو إيذاء الآخرين، نقوم بتقييد يديه من الخلف بيدينا أو بخيط في الحالات الخطيرة جدًّا، والجلوس من خلفه حتى لا نثير غضبه أكثر، ثم نوجه اللوم والتوبيخ بهدوء وبكلمات دقيقة ومرتبة.

 خلال تعديل السلوك، نقوم بتكرار الاستراتيجية العلاجية المُتَّبَعة من 30 إلى 60 مرة حتى نستطيع الحكم على نجاحها أو فشلها، فإما أن يصبح لديه كفٌّ تراكمي يمارس بعده السلوك الصحيح بصورة طبيعية دون توجيه من أحد، أو يثبت فشله فنقوم بتجريب استراتيجيات أخرى إلى أن نصل إلى النتيجة المرغوب فيها، فالقاعدة تقول إن السلوك بعد 30 مرة من تكراره يكون متأرجح الثبات، ثم يصبح عادةً بعد 60 مرة، ثم يتحول إلى سلوك أساسي بعد 90 مرة، وبعد 120 مرة يصبح من الصعب جدًّا تغيير ذلك السلوك.

يمكن أن يقوم المعلم في المدرسة أيضًا باتباع تلك الاستراتيجيات مع التلاميذ ذوي السلوكيات غير المرغوبة، كما أنه لا بد من التنسيق بين الوالدين ومعلمي الفصل واختصاصي الإرشاد السلوكي حتى تكون النتيجة أكثر إرضاءً للجميع.

كل الحب والتقدير والامتنان للباحثين عن كل ما هو أفضل لهم ولأبنائهم.

تدقيق لغوي وتحرير: أ.أحمد مدرة، مصر.