تعددت في الآونة الأخيرة مشكلات الكلام واللغة والتواصل عند الأطفال مقارنةً بذويهم في الماضي؛ فنسبة كبيرة من أطفال العصر الحالي متأخرون لغويًّا، ويعانون من صعوبات في فهم الآخرين والتفاعل معهم، ويؤثر ذلك بوضوحٍ في مراحل نموهم المعرفي والفكري والنفسي والاجتماعي، ويعوق قدرتهم على محاكاة زملائهم من المرحلة العمرية نفسها.

ولأنَّ الطفل يكتسب لغته من الأفراد المحيطين به، فإنه يقع على عاتق الأسرة، وخصوصًا الأم، معالجة أي خلل يعاني منه الطفل في أثناء مرحلة نموه اللغوي، وسنحاول في هذا المقال مساعدتها على ذلك.

قبل كل شيء، ينبغي التذكير بأنَّ اللغة التي نتحدثها تنقسم إلى شِقَّين: لغة استقبالية، وهي كل ما يُقال لنا من إشارات وإيماءات وأصوات ومقاطع صوتية وكلمات وجمل نستطيع فهمها والتفاعل معها وإظهار استجابة مناسبة لها؛ ولغة تعبيرية، وهي التي نقوم بها نحن لنُعبِّر عن حاجاتنا ورغباتنا ونتواصل عبرها مع الآخرين، وتأتي أيضًا في صورة إشارات وإيماءات وأصوات، إلخ.

كما ينبغي أيضًا -علاوةً على ذلك- التأكد من سلامة أعضاء النطق والكلام؛ عدم وجود ربط باللسان، أو شق في سقف الحلق مثلًا، وكذلك التأكد من سلامة حاسة السمع. ولحسن الحظ وبفضل جهود عديدة، وُضِع أخيرًا رسم السمع ضمن الفحوصات الأولية للطفل بعد الولادة.

مهارات ما قبل اللغة

بخصوص اللغة الاستقبالية، هناك خمس مهارات أساسية لا بد من أن تنمو وتتطور ويتقنها الطفل جيدًا، وتُسمَّى بمرحلة ما قبل اللغة، وهي:
  • التواصل البصري
  • الانتباه والتركيز
  • تنفيذ الأوامر
  • التقليد
  • الإدراك.
وسنوضح كل مهارة منهم كالتالي:

إذا كان الطفل لا ينظر إلى من يتحدث إليه فإنَّ مشكلته تكون في التواصل البصري، وذلك سوف يؤثر في قدرته على معرفة مخرج الصوت الذي يسمعه، ومن ثمَّ يعجز عن تقليده.

هنا يبدأ الشخص القائم على رعاية الطفل بمحاولات جذبه بصريًّا؛ فمثلًا تجلس الأم أمام طفلها وتضع يديها حول وجهه في مقابل وجهها وتتحدث إليه، أو تتحدث معه أمام المرآة، أو تضع حول عينيها قناعًا جذَّاب الشكل حتى ينظر الطفل إلى عينيها مباشرة، إلى آخره من تدريبات التواصل البصري التي يمكن أن تبتكرها الأم.

أما في حالة انعدام الانتباه والتركيز، فلا ينتبه الطفل إلى مصدر الصوت ولا يستجيب لك، كأن لا يأتي حين تناديه.

أحيانًا، وبسبب كثرة مشاهدة الطفل للتلفزيون أو التركيز في الهاتف، فإنه يستقي كل معرفته عن طريق عينيه فقط ويهمل حاسة السمع، وهو ما نسميه «الطفل البصري». هنا لا بد من استثارة حاسة السمع من خلال الأغاني أو تقليد أصوات الحيوانات، أو التحدُّث قريبًا من إحدى أذنيه ثم الابتعاد شيئًا فشيئًا إلى أن يستجيب لأي شخص يناديه من أية مسافة.

تنفيذ الأوامر مرحلة مهمة جدًّا ومهارة ينبغي للطفل إتقانها كي يستجيب لك حين تطلبين منه شيئًا؛ فيجب أن يجلس ويكفَّ عن البكاء أو يجمع الكروت أو الصور التي تُدرِّسينه منها حين تطلبين منه القيام بذلك، ثم ينظر إليك باهتمامٍ حتى ينتقل إلى مرحلة التقليد.

في التقليد ننتقل من حركات الجسم الكبرى «قف – اجلس – صفِّق – ارفع يديك – أنزل يديك – اقفز – إلخ» إلى حركات الجسم الصغرى «افتح فمك – أخرج لسانك – حرِّك لسانك – أغمض عينيك وافتحهما … » وهكذا؛ فنبدأ بالتقليد، ثم مع إتقان الطفل للحركة يتحول الهدف إلى تنفيذ أمر.

الإدراك، وتنمية إدراك الطفل تأتي من بداية تعرُّفه على ذاته وعلى حواسِّه وعلى أسرته والأشياء المحيطة به، وتمييز الأصوات المختلفة، ثم تصنيف المجموعات الضمنية كالحيوانات والخضروات والفواكه، ثم مرحلة الإجابة على السؤال: أين كذا؟ فيُشير ويقول: ها هو «أهو/أهي»، ثم سؤال: ما هذا؟ فيجيب: هذا كذا، حتى لو كان ينطقها بطريقةٍ خطأ؛ مثل «بطاطس» التي قد ينطقها «تاتِس» مثلًا، أو يشير بإصبعه فقط.

إذا ما أتقن الطفل هذه المهارات الخمس ستنمو مهاراته اللغوية وتتطور، ويتواصل بصورةٍ أفضل، وهذا ما نسميه «اللغة التعبيرية»، حيث يستطيع الطفل التعبير عن حاجاته ومتطلباته، والسؤال عن الأشياء والأحداث.

أما في حالة إتقان الطفل لكل مهارات ما قبل اللغة مع غياب اللغة التعبيرية تمامًا، أي يكون كل ما يخرج من فم الطفل عبارةً عن أصوات عشوائية أو بكاء فقط، فهنا تبدأ مرحلة متقدمة للتدريب على اللغة وأساسيات النطق.

في غالبية الحالات نحتاج إلى تدريب أعضاء النطق وعضلاتها، وهي الفكَّان واللسان والشفتان؛ فنقوم بتدريبات النفخ على مسافات متباعدة من قصاصات ورق أو شمعة أو فقاعات الصابون، وضمِّ الشفتين وبسطهما، وفتح الفم وإغلاقه، وغيرها من تدريبات، ثم ننتقل إلى مرحلتي تكوين الكلمة والجملة.

مرحلة تكوين الكلمة

نبدأ أولًا بالأصوات المتحركة (أَ / إِ /أُ)، فنُدرِّب الطفل عليها ثم نربطها بكل الأصوات لنُكوِّن مقاطع مثل: ما / مي / مو. ومن ثمَّ ربط المقاطع المتشابهة «ما- ما» لتكوين كلمات مثل «ماما»، ثم مقاطع مختلفة لكن من الصوت نفسه مثل «ما- مي / ما- مو»، ثم مقاطع مختلفة لأصواتٍ مختلفة مثل «با- تا» (بطة). ونُكوِّن كلمات من مقطعين على الشاكلة نفسها إلى أن يتقن الطفل نطق كل الكلمات ذات المقطعين، حتى لو كانت كلماتٍ ليس لها معنى.

قد تكون هذه المرحلة صعبةً ومملةً بعض الشيء، لذلك نقوم فيها بالتدريب على كلمات بسيطة يستخدمها الطفل مثل الكلمات الدارجة التي يستطيع من خلالها التعبير بمرونةٍ وبساطةٍ، وهو ما يرفع من معنوياته ويُحفِّزه على الكلام والمشاركة والتواصل مع المحيطين به.

بعدها، ننتقل إلى مرحلة الكلمات ذات المقاطع الثلاثة؛ فنضع مقطعًا مختلفًا مع مقطعين متشابهين، مثل «حا- ما- ما» لننتج كلمة «حمامة»، «با- تا- تا» لننتج كلمة «بطاطا». ثم ثلاثة مقاطع مختلفة، مثل «سا- يا- را» لتنتج كلمة «سيارة»، وهكذا، مع ضرورة مراعاة اللهجة الدارجة لكل مجتمع، فنحن لا نُدرِّس الطفل اللغة الفصحى وقواعدها، إنما نُدرِّبه فقط على إتقان اللغة البسيطة، التي تُمكِّنه من التواصل والتفاعل.

مرحلة تكوين الجملة

بعد أن يتقن الطفل الكلمات ذات المقطعين وذات الثلاثة مقاطع، نبدأ في بناء جملة بسيطة من كلمتين، مثل «قطة وبطة»، أو «آكل كيك»، أو «أمشي باي»، إلخ، ومن ثمَّ إدخال حروف الجر، مثل: آكل بملعقة، أصب في كوب، أجلس على كرسي.

في حالة إتقان الطفل تكوين جملة من ثلاث كلمات، تبدأ مرحلة ما قبل الأكاديمي؛ فنُعلِّم الطفل المرادفات والمتضادات، والمفرد والمثنى والجمع، وظرفي الزمان والمكان، والتعرُّف على الألوان والحروف والأرقام، وسرد قصص وأحداث بسيطة، وهكذا.

عند وصول طفلك إلى هذه المرحلة يكون مؤهلًا لدخول المدرسة مع رفاقه من السن نفسها، وبهذا ينتهي دور اختصاصي التواصل أو الأم القائمة على رعاية الطفل.

هذا باختصارٍ توضيحٌ أو شرحٌ مُبسَّطٌ لما نقوم به كاختصاصيِّي تواصل في الجلسات، قدَّمناه لمساعدة الأم في تعزيز المهارات اللغوية لطفلها والحد من تأثير اضطرابه اللغوي في تواصله مع الآخرين، والذي يؤثر بالتبعية في حالته النفسية، مع ضرورة أخذ الفروق الفردية بين كل طفل وآخر في الاعتبار، وكذلك حالات ذوي القدرات الخاصة.

كل الحب والدعم والأمنيات الطيبة لكل أم تقف لأبنائها عونًا وسندًا قبل أن تكون معلمةً لهم.